ج / 9 ص -112- إلَى صَرَّافٍ لِيَنْقُدَهُ، أَوْ سَلَّمَ مَتَاعًا إلَى مُقَوِّمٍ لَيُقَوِّمَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ مِنْ الصَّبِيِّ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْقَابِضِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّهُ إلَى الصَّبِيِّ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَدَّهُ إلَى وَلِيِّهِ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ لِكَامِلٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ أَمَرَهُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ بِدَفْعِهِ إلَى الصَّبِيِّ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلِيِّ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَالِ الصَّبِيِّ فِي بَحْرٍ فَأَلْقَاهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ قَطْعًا.
فرع: لَوْ تَبَايَعَ صَبِيَّانِ وَتَقَابَضَا وَأَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَبَضَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَلِيَّيْنِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيَّيْنِ وَيَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيَّيْنِ الضَّمَانُ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُمَا لَا يُعَدُّ تَسْلِيطًا وَتَضْيِيعًا بِخِلَافِ تَسْلِيمِ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الصَّبِيِّ بِنَفْسِهِ، وَلَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ، لَكِنْ فِي تَدْبِيرِهِ وَوَصِيَّتِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُمَا أَيْضًا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَمْ لَا، لِأَنَّ عِبَارَتَهُ مُلْغَاةٌ، فَلَا أَثَرَ لِإِذْنِ الْوَلِيِّ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِمَجْنُونٍ، وَأَمَّا إذَا فَتَحَ الصَّبِيُّ بَابًا وَأَخْبَرَ بِإِذْنِ أَهْلِ الدَّارِ فِي الدُّخُولِ، أَوْ أَوْصَلَ هَدِيَّةً، وَأَخْبَرَ عَنْ إهْدَاءِ مُهْدِيهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ انْضَمَّتْ إلَى ذَلِكَ قَرَائِنُ تُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ جَازَ الدُّخُولُ وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ - نُظِرَ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونِ الْقَوْلِ - لَمْ يَجُزْ اعْتِمَادُ قَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ أصحهما: الْقَطْعُ بِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ لِإِطْبَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلِحُصُولِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ فِي الْعَادَةِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ: فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ: إذَا سَمِعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ حَدِيثًا فَهَلْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهُ؟ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدهما: لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، لَا قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَا بَعْدَهُ، لِضَعْفِ ضَبْطِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَغَيْرُهُ. والثاني: تَصِحُّ رِوَايَتُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ، كَمَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَسَائِرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَاحْتُمِلَ فِيهَا أَشْيَاءُ لَا تُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهَا، كَاعْتِمَادِهِ عَلَى خَطِّهِ، وَكَوْنِهَا لَا تُرَدُّ بِالتُّهْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَامَحَةِ. والثالث: أَنَّهَا تُقْبَلُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَلَا تُقْبَلُ قَبْلَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَمِمَّا يَرُدُّ الْأَوَّلَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ مَا تَحَمَّلُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَرَوَوْهُ بَعْدَهُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ جَعْفَرٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: كَمَا لَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ تَصَرُّفَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ، لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَوْ اتَّهَبَ لَهُ الْوَلِيُّ شَيْئًا وَقَبِلَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ الصَّبِيُّ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ بِهَذَا الْقَبْضِ، وَلَوْ وُهِبَ لَأَجْنَبِيٍّ وَأَذِنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ، وَأَذِنَ لَهُ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ فَقَبَضَهُ، لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ: سَلِّمْ حَقِّي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ قَدْرَ حَقِّهِ إلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ يَكُونُ مَا سَلَّمَهُ بَاقِيًا عَلَى