فهرس الكتاب

الصفحة 3107 من 4102

ج / 9 ص -111- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُمَا، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ"وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، يُفَوَّضُ إلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كَحِفْظِ الْمَالِ.

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما، سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَوَّلِ كِتَابَيْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَوْلُهُ:"تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ"احْتِرَازٌ مِنْ اخْتِيَارِ الصَّبِيِّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ، وَمِنْ عِبَادَاتِهِ وَحَمْلِهِ الْهَدِيَّةَ، وَمَنْ وَطْءِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ امْرَأَتَيْهِمَا، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ فَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: من الآية6] وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُخْتَارٍ، فَمِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَى، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا هُوَ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ، وَيَدْخُلُ أَيْضًا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَكَانَ يَنْبَغِي، أَنْ يَزِيدَ بَصِيرًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ قَرِيبًا، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا إسْلَامُ الْمُشْتَرِي إنْ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وأما السَّكْرَانُ فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَسَائِرِ عُقُودِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ وَاَلَّتِي تَنْفَعُهُ وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا والثالث: يَصِحُّ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ دُونَ إيهَابِهِ، وَتَصِحُّ رِدَّتُهُ دُونَ إسْلَامِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْأَوْجُهَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَهُنَاكَ نُوَضِّحُهَا بِفُرُوعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وأما الصَّبِيُّ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا إجَارَتُهُ وَسَائِرُ عُقُودِهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ بَاعَ بِغَبْنٍ أَوْ بِغِبْطَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ بَاعَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَسَوَاءٌ بَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَغَيْرُهُ، وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ هُوَ الَّذِي يَمْتَحِنُهُ الْوَلِيُّ بِهِ لِيَسْتَبِينَ رُشْدَهُ عِنْدَ مُنَاهِزَةِ الِاحْتِلَامِ، وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْوَلِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الِاسْتِلَامَ وَتَدْبِيرَ الْعَقْدِ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْعَقْدِ أَتَى بِهِ الْوَلِيَّ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُهُ عِنْدَنَا إلَّا فِي بَيْعِ الِاخْتِبَارِ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ، مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْبَيْعُ لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَقِيلَ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ إسْقَاطُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الْفُقَهَاءُ: إذَا اشْتَرَى الصَّبِيُّ شَيْئًا وَسُلِّمَ إلَيْهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مَالًا، لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُضَيِّعُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَمَا دَامَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِرْدَادُ وَإِنْ قَبَضَهَا الْوَلِيُّ مِنْ الصَّبِيِّ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْوَلِيِّ، وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ إلَى الْبَائِعِ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ لَمْ يَصِحَّ تَسْلِيمُهُ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ رَدُّهُ إلَى الْوَلِيِّ، وَيَلْزَمُ الْوَلِيِّ طَلَبُهُ وَاسْتِرْدَادُهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَهَذَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ دِرْهَمًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت