ج / 9 ص -106- وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنَّهَا تَنَاوَلَتْ بَيْعًا مَعْهُودًا، وَنَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أَحَلَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بُيُوعًا وَحَرَّمَ بُيُوعًا، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} أَيْ الْبَيْعَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ قَبْلُ، وَعَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ، فَتَنَاوَلَتْ الْآيَةُ بَيْعًا مَعْهُودًا، وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِأَنَّهُمَا لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ، وَلَا يَكُونُ الْجِنْسُ هُنَا مُرَادًا لِخُرُوجِ بَعْضِهِ عَنْ التَّحْلِيلِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَهْدُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ، بَلْ يُرْجَعُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الْبُيُوعُ الصَّحِيحَةُ، فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُجْمَلِ مِنْ وَجْهٍ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعُمُومِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
فأما: الْوَجْهُ الْوَاحِدُ فَهُوَ أَنَّ بَيَانَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْبُيُوعِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ يَكُونُ مُقْتَرِنًا لِلَّفْظِ، أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ، وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فَأَحَدُهُمَا: مَا سَبَقَ مِنْ تَقْدِيمِ الْبَيَانِ فِي الْمَعْهُودِ، وَإِقْرَارِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِالْعُمُومِ والثاني: جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ دُونَ ظَاهِرِ الْمَعْهُودِ، هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا نَحْوَهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصَحَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ إلَّا مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
فرع: أَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ جَوَازُ الْبَيْعِ، فَهُوَ مِمَّا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ بَيْعًا صَحِيحًا يَصِيرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي أَوَّلِ بُيُوعِ الْوَسِيطِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ الْفَسْخُ إلَّا بِأَحَدِ سَبْعَةِ أَسْبَابٍ , وَهِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ , وَخِيَارُ الشَّرْطِ , وَخِيَارُ الْعَيْبِ , وَخِيَارُ الْخُلْفِ , بِأَنْ كَانَ شَرَطَهُ كَاتِبًا فَخَرَجَ غَيْرَ كَاتِبٍ , وَالْإِقَالَةُ , وَالتَّخَالُفُ , وَتَلَفُ الْمَبِيعِ , وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ إذَا جَوَّزْنَاهُ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ فِي الْمَعْنَى بِخِيَارِ الشَّرْطِ , وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يُقَالُ: بِعْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى بِعْتُهُ وَبِمَعْنَى شَرَيْته , وَيُقَالُ شَرَيْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى شَرَيْته وَبِعْتُهُ , وَأَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ: بِعْتَهُ إذَا أَزَلْتَ الْمِلْكَ فِيهِ بِالْمُعَاوَضَةِ , وَاشْتَرَيْتَهُ إذَا تَمَلَّكْته بِهَا , قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعَرَبُ تَقُولُ: بِعْتُ بِمَعْنَى بِعْتُ مَا كُنْتُ مَلَكْتُهُ , وَبِعْتُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ , قَالَ: وَكَذَلِكَ شَرَيْتُ بِالْمَعْنَيَيْنِ , قَالَ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مَبِيعٌ وَبَائِعٌ , لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعٌ , وَيُقَالُ: بِعْتُهُ أَبِيعُهُ فَهُوَ مَبِيعٌ وَمَبْيُوعٌ , مِخْيَطٌ وَمَخْيُوطٌ , قَالَ الْخَلِيلُ: وَالْمَحْذُوفُ مِنْ مَبِيعٍ وَاوُ مَفْعُولٍ , لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ , فَهِيَ أَوْلَى بِالْحَذْفِ , وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَحْذُوفُ عَيْنُ الْكَلِمَةِ , قَالَ الْمَازِنِيُّ: كِلَاهُمَا حَسَنٌ , وَقَوْلُ الْأَخْفَشِ أَقْيَسُ , وَالِابْتِيَاعُ الِاشْتِرَاءُ , وَبَايَعْتُهُ وَتَبَايَعْنَا وَاسْتَبَعْتُهُ سَأَلْتُهُ أَنْ يَبِيعَنِي , وَأَبَعْتُ الشَّيْءَ عَرَّضْتُهُ لِلْبَيْعِ , وَبِيعَ الشَّيْءُ - بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا - وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَبُوعَ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالْوَاوِ - لُغَةٌ فِيهِ , وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي: كِيلَ وَقِيلَ.