فهرس الكتاب

الصفحة 3101 من 4102

ج / 9 ص -105- قَالَ: فَعَلَى هَذَا فِي الْعُمُومِ قَوْلَانِ أحدهما: إنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَإِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ والثاني: إنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْعُمُومَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ، وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ، وَإِنْ دَخَلَهُ تَخْصِيصٌ كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ بِالتَّخْصِيصِ أَقَلَّ مِمَّا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ. والوجه الثاني: أَنَّ الْبَيَانَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُقَدَّمٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَفِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اللَّفْظِ أَوْ مُقْتَرِنٌ بِهِ، قَالَ: وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ، وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْعُمُومِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ: إنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا صِحَّةُ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ إلَّا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَدَلِيلُهُ أَنَّ فِي الْبِيَاعَاتَ الْجَائِزَ وَغَيْرَهُ، وَبَيَّنَ فِي الْآيَةِ مَا يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ ذَاكَ، فَاقْتَضَتْ كَوْنَهَا مُجْمَلَةً، فَعَلَى هَذَا هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا؟ أَمْ بِعَارِضٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أحدهما: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا، لِأَنَّ قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] يَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ مُتَفَاضِلًا، وقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ مُتَفَاضِلًا فَصَارَ آخِرُهَا مُعَارِضًا لِأَوَّلِهَا، فَحَصَلَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِنَفْسِهَا والثاني: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا جَوَازُ كُلِّ بَيْعٍ مِنْ غَرَرٍ وَمَعْدُومٍ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَغَيْرِهِمَا فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا، قَالَ: ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِجْمَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ الْإِجْمَالَ وَقَعَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ دُونَ صِيغَةِ لَفْظِهَا، لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ اسْمٌ لُغَوِيٌّ وَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، وَمَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، لَكِنْ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مِنْ الشَّبَهِ مَا يُعَارِضُهُ، تَدَافَعَ الْعُمُومَانِ وَحْدَهُمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْمُرَادُ مِنْهُمَا إلَّا بِبَيَانِ الشَّبَهِ، فَصَارَا مُجْمَلَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى.

والثاني: أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْهُ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ تَبَيَّنَّا أَنَّ لَهُ شَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ، خَرَجَ اللَّفْظُ بِالشَّرَائِطِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرَائِطُ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مَعْقُولَةٌ كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ إنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ شَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ كَالْخُضُوعِ، فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: مِنْ الْأَرْبَعَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَمُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ والثاني: أَنَّ الْعُمُومَ فِي قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وَالْإِجْمَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} والثالث: أَنَّهُ كَانَ مُجْمَلًا، فَلَمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَارَ عَامًّا، فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ، وَفِي الْعُمُومِ بَعْدَ الْبَيَانِ، قَالَ: فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالْقَوْلِ الثَّانِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت