فهرس الكتاب

الصفحة 3100 من 4102

ج / 9 ص -104- كِتَابُ الْبُيُوعِ

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: من الآية29]

الشرح: قوله تعالى: {إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ لَكُمْ أَكْلُهَا بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَكْلَ بِالنَّهْيِ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ، لِكَوْنِهِ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} [النساء: من الآية10] وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ بِالْبَاطِلِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ أَكْلًا أَوْ بَيْعًا أَوْ هِبَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وقوله تعالى {بِالْبَاطِلِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ:"إلَّا بِحَقِّهَا"قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْبَاطِلُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ كَالرِّبَا وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَكُلِّ مُحَرَّمٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} [النساء: من الآية29] فِيهَا قِرَاءَتَانِ: الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَمَنْ رَفْعَ جَعَلَ كَانَ تَامَّةً، إلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ، وَمَنْ نَصَبَ قَالَ: تَقْدِيرُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْكُولُ تِجَارَةً أَوْ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ أَمْوَالَ تِجَارَةٍ فَحُذِفَ الْمُضَافُ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَالْأَجْوَدُ الرَّفْعُ، لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ.

وَأَمَّا صَاحِبُ الْحَاوِي فَبَسَطَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِي الْحَاوِي فَقَالَ: قوله تعالى: {أَمْوَالَكُمْ} فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أحدهما: الْمُرَادُ مَالُ كُلِّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ، أَيْ لَا يَصْرِفُهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ والثاني: مَعْنَاهُ لَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ) {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: من الآية29] وقوله: بِالْبَاطِلِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ الصَّرْفُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَقِيلَ: النَّهْبُ وَالْغَارَاتُ، والثالث: التِّجَارَاتُ الْفَاسِدَةُ وَنَحْوُهَا، وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَهْلِ الْمَعَانِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: من الآية275] فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي كِتَابِ الْأُمِّ تَفْسِيرَهَا مُسْتَوْفًى مَعَ اخْتِصَارٍ، وَشَرَحَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَعْنَى الْآيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ عُمُومٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ، وَيَقْتَضِي إبَاحَةَ جَمِيعِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِنَا. قَالَ فِي الْأُمِّ: هَذَا أَظْهَرُ مَعَانِي الْآيَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّلِيلُ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بُيُوعٍ كَانُوا يَعْتَادُونَهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجَائِزَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَنَاوَلَتْ إبَاحَةَ جَمِيعِ الْبُيُوعِ إلَّا مَا خُصَّ مِنْهَا، وَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم الْمَخْصُوصَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت