ج / 9 ص -102- مَمْلُوكٌ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِمِلْكِهِ مِلْكُ غَيْرِهِ وَعَسِرَ التَّمْيِيزُ فَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ: لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ وَاحِدَةٌ بِحَمَامَاتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً. حَتَّى تَبْقَى وَاحِدَةٌ. كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرِ بِثَمَرِهِ.
وَاَلَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً مِنْهَا حَتَّى يُصَالِحَ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَنْبَغِي لِلْوَرِعِ أَنْ يَتَجَنَّبَ طَيْرَ الْبُرُوجِ. وَأَنْ يَجْتَنِبَ بِنَاءَهَا. وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لِثَالِثٍ، لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ وَهَبَ الْآخَرُ صَحَّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَتُحْتَمَلُ الْجَهَالَةُ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ بَاعَ الْحَمَامَ الْمُخْتَلِطَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِثَالِثٍ، وَلَا يَعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَعْدَادُ مَعْلُومَةٌ كَمِائَتَيْنِ وَمِائَةٍ، وَالْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةٌ وَوَزَّعَا الثَّمَنَ عَلَى أَعْدَادِهَا صَحَّ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ جَهِلَا الْعَدَدَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: بِعْتُكَ الْحَمَامَ الَّذِي فِي هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَيُحْتَمَلُ الْجَهْلُ فِي الْمَبِيعِ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: لَوْ تَصَالَحَا عَلَى شَيْءٍ صَحَّ الْبَيْعُ وَاحْتُمِلَ الْجَهْلُ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ الْمُسَامَحَةُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ نِسْوَةٍ، وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ اصْطِلَاحُهُنَّ عَلَى الْقِسْمَةِ بِالتَّسَاوِي وَبِالتَّفَاوُتِ مَعَ الْجَهْلِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ أَيْضًا بِحَسَبِ تَرَاضِيهِمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: بِعْتُ مَا لِي مِنْ حَمَامِ هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا. وَالْأَعْدَادُ مَجْهُولَةٌ. يَصِحُّ أَيْضًا مَعَ الْجَهْلِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْفَصِلَ الْأَمْرُ بِحَسَبِ مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ حَمَامِ الْبُرْجِ بِإِذْنِ الْآخَرِ فَيَكُونُ أَصْلًا فِي الْبَعْضِ، وَوَكِيلًا فِي الْبَعْضِ. جَازَ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ.
فرع: لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ حَمَامَاتٌ بِحَمَامَاتٍ مُبَاحَةٍ مَحْصُورَةٍ لَمْ يَجُزْ الِاصْطِيَادُ مِنْهَا وَلَوْ اخْتَلَطَتْ بِحَمَامِ نَاحِيَةٍ جَازَ الِاصْطِيَادُ فِي النَّاحِيَةِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا لَا يُحْصَرُ فِي الْعَادَةِ بِاخْتِلَاطِ مَا يَنْحَصِرُ بِهِ، وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُ أَبْرَاجٍ مَمْلُوكَةٍ لَا تَكَادُ تُحْصَرُ بِحَمَامِ بَلْدَةٍ أُخْرَى مُبَاحَةٍ. فَفِي جَوَازِ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا وجهان أصحهما: الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ مَال مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ. وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ ضَبْطِهِ الْعَدَدُ الْمَحْصُورُ. فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَقَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: تَحْدِيدُ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ، قَالَ: فَكُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَعْسَرُ عَلَى النَّاظِرِ عَدُّهُمْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ، وَمَا سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ. وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ، وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اُسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: إذَا انْصَبَّتْ حِنْطَتُهُ عَلَى حِنْطَةِ غَيْرِهِ، أَوْ انْصَبَّ مَائِعُهُ فِي مَائِعِهِ. وَجَهِلَا قَدْرَهُمَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْحَمَامِ الْمُخْتَلِطِ.