ج / 9 ص -101- فَهَلْ يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا، كَالْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وأصحهما: نَعَمْ، لِأَنَّهُ رَجَعَ لِلْإِبَاحَةِ، وَلِئَلَّا يَصِيرَ فِي مَعْنَى سَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ أَلْقَى كِسْرَةَ خُبْزٍ مُعْرِضًا عَنْهَا، فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ أَخَذَهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، قَالُوا: وَهُمَا مُرَتَّبَانِ عَلَى إرْسَالِ الصَّيْدِ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا تُمْلَكَ، بَلْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُلْقِي. لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الصَّيْدِ الْيَدُ وَقَدْ أَزَالَهَا، وَرَدَّهُ إلَى الْإِبَاحَةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَحَاصِلُهَا لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الظَّاهِرَةَ كَافِيَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُوَضِّحُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّالِحِيِّ مِنْ الْتِقَاطِ السَّنَابِلِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ قُلْتُ: الْأَصَحُّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا تَرَكَهُ الْوَارِثُ إعْرَاضًا، كَالْكِسْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّعَامِ وَالسَّنَابِلِ وَأَمَّا الَّذِي يُصِيبُهُ فِي شَيْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ تَمَزُّقِ الْأَخْذِ فِيهِ بِالتَّتَبُّعِ وَغَيْرِهِ، هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ السَّلَفِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ أُخْرَيَاتِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّ الثِّمَارَ السَّاقِطَةَ مِنْ الْأَشْجَارِ إنْ كَانَتْ دَاخِلَ الْجِدَارِ لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَجْرِ عَادَاتُهُمْ بِإِبَاحَتِهَا، فَإِنْ جَرَتْ بِذَلِكَ فَهَلْ تَجْرِي الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ مَجْرَى الْإِبَاحَةِ؟ فِيهِ وجهان أصحهما: تَجْرِي وَسَبَقَ هُنَاكَ حُكْمُ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ، وَمِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَثِمَارِهِ وَزَرْعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ فَدَبَغَهُ مَلَكَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ اخْتِصَاصٌ فَضَعُفَ بِالْإِعْرَاضِ، وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ خَمْرٍ فَأَخَذَهَا غَيْرُهُ فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ. فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فرع: لَوْ صَادَ صَيْدًا عَلَيْهِ أَثَرُ مِلْكٍ، بِأَنْ كَانَ مَرْسُومًا أَوْ مُقَرَّظًا أَوْ مَخْضُوبًا أَوْ مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ لَمْ يَمْلِكْهُ الصَّائِدُ، بَلْ هُوَ لُقَطَةٌ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا فَأَفْلَتَ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ صَادَهُ مُحْرِمٌ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ لِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بَعِيدٌ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ.
فرع: لَوْ صَادَ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا دُرَّةً مَثْقُوبَةً لَمْ تُمْلَكْ الدُّرَّةُ، بَلْ تَكُونُ لُقَطَةً، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لَهُ مَعَ السَّمَكَةِ، وَلَوْ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ إنْ ادَّعَاهَا، كَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْبَغَوِيّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: الدُّرَّةُ لِلصَّائِدِ كَالْكَنْزِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ لِمُحْيِيهَا.
فَصْلٌ: إذَا تَحَوَّلَ بَعْضُ حَمَامٍ إلَى بُرْجِ غَيْرِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ رَدُّهُ، فَإِنْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا بِيضٌ أَوْ فَرْخٌ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأُنْثَى دُونَ الذَّكَرِ، وَإِنْ ادَّعَى تَحَوُّلَ حَمَامِهِ إلَى بُرْجِ غَيْرِهِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْوَرَعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ كَذِبَهُ. فَإِنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مُبَاحًا دَخَلَ بُرْجَ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الثَّانِي فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي دُخُولِ الصَّيْدِ مِلْكَهُ فإن قلنا: بِالْأَصَحِّ: إنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ والثاني: إنَّهُ يَمْلِكُهُ. وَمَنْ دَخَلَ بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ