ج / 9 ص -100- فرع: الِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُفْسِدِ، بِالْإِصَابَةِ، لَا بِبَدْءِ الرَّمْيِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اصْطَادَ هَذَا الصَّيْدَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ أصحهما: سُقُوطُهَا، وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
فرع: لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ فَقَالَ آخَرُ: أَنَا اصْطَدْتُهُ. فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ: لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا نَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، بَلْ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُسَلِّمَهُ إلَى مُدَّعِيهِ.
فرع: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَوْ أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابَهُمْ عَلَى صَيْدٍ فَأَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُونَ قَتِيلًا، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ كَلْبَهُ الْقَاتِلُ، قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنَهَا، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْكِلَابِ فَهُوَ لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِبَةٌ1 أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِالْقُرْعَةِ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي ثَوْرٍ: لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ، بَلْ يُوقَفُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بِيعَ وَوَقَفَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا ثُمَّ خَلَّاهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَزُولُ مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ مَلَكَ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ والثاني: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ بَهِيمَةً ثُمَّ سَيَّبَهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا مَلَكَ صَيْدًا ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ وَمَنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ يَدُورُ فِي الْبَلَدِ وَحَوْلُهُ، أَوْ الْتَحَقَ بِالْوُحُوشِ. وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا. وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَالِكُهُ وَخَلَّاهُ لِيَرْجِعَ صَيْدًا كَمَا كَانَ فَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ: لَا يَزُولُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ بَهِيمَتَهُ2 وَنَوَى إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِلَا خِلَافٍ وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [المائدة: من الآية103] وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ، وَحَكَاهُ الْأَصْحَابُ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَصَدَ بِإِرْسَالِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى زَالَ مِلْكُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مُطْلَقًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فإن قلنا: يَزُولُ، عَادَ مُبَاحًا، فَمَنْ صَادَهُ مَلَكَهُ وإن قلنا: لَا يَزُولُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَصِيدَهُ إذَا عَرَفَهُ، فَإِنْ قَالَ عِنْدَ إرْسَالِهِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ أَخَذَهُ حَصَلَتْ الْإِبَاحَةُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ، لَكِنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْآخِذِ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ فَأَرْسَلَهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ناحبة هنا تحتمل أكثر من معنى لغوي فهي أما مسرعة متحفزة للصيد وهو أحد معاني هذه الكلمة وأما مطلقة السياق والمراهنة وهذه أيضا من معاني هذه الكلمة (المطيعي) .
2 كان في ش و ق حرف (إلا) وبعده بياض وقال الأشياخ في الحاشية بياض بالأصل محرر فحررناها بحذف إلا فستقام السياق وجرى المعنى على ما لا تناقص فيه (ط) .