ج / 9 ص -87- رَمَاهُ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ بِهِ، حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَوْ تَوَحَّشَ إنْسِيٌّ بِأَنْ نَدَّ بَعِيرٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ فَرَسٌ، أَوْ شَرَدَتْ شَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا، فَهُوَ كَالصَّيْدِ يَحِلُّ بِالرَّمْيِ إلَى غَيْرِ مَذْبَحِهِ، وَبِإِرْسَالِ الْكَلْبِ مِنْ الْجَوَارِحِ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ أَوْ غَيْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ النَّادِّ فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي حِلِّهِ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ أصحهما: عِنْدَهُمْ، فِي الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ التَّحْرِيمُ وَاخْتَارَ: الْبَصْرِيُّونَ الْحِلَّ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاتِ بَلْ مَتَى تَيَسَّرَ اللُّحُوقُ بِعَدْوٍ أَوْ اسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يُمْسِكُهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَوَحُّشًا وَلَا يَحِلُّ حِينَئِذٍ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَوْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْبَعِيرَ وَنَحْوَهُ كَالصَّيْدِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الذَّبْحَ فِي الْحَالِ. فَتَكْلِيفُهُ الصَّبْرَ إلَى الْقُدْرَةِ يَشُقُّ عَلَيْهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالصَّيْدِ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا حَالَةٌ عَارِضَةٌ قَرَّبَتْهَا لَهُ، قَالَ: لَكِنْ لَوْ كَانَ الصَّبْرُ وَالطَّلَبُ يُؤَدِّي إلَى مَهْلَكَةٍ أَوْ مَسْبَعَةٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالصَّيْدِ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى مَوْضِعِ لُصُوصٍ وَعَصَبَاتٍ مُتَرَصِّدِينَ فَوَجْهَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ وَإِتْلَافَهُمْ مُتَدَارَكٌ بِالضَّمَانِ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي كَيْفِيَّةِ الْجَرْحِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي وجهان أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَكْفِي جُرْحٌ يُفْضِي إلَى الزُّهُوقِ كَيْفَ كَانَ والثاني: لَا بُدَّ مِنْ جُرْحٍ مُذَفِّفٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
فرع: حَيْثُ جَرَحَ النَّادَّ وَالْمُتَرَدِّيَ فَقَتَلَهُ حَلَّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي فَخِذِهِ أَوْ خَاصِرَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ بَدَنِهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ طَعَنْتَ خَاصِرَتَهُ لَحَلَّتْ لَكَ"قَالَ: فَقَالَ الْمَرَاوِزَةُ خَصَّصَ الْخَاصِرَةَ لِيَكُونَ الْجُرْحُ مُذَفِّفًا فَلَا يَجُوزُ جُرْحٌ آخَرُ. وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَكْفِي كُلُّ جِرَاحَةٍ تُفْضِي إلَى الْمَوْتِ، هَذَا لَفْظُهُ فِي الْوَسِيطِ، وَفِيهَا مُنْكَرَاتٌ مِنْهَا: تَغْيِيرُ الْحَدِيثِ ومنها: تَغْيِيرُ الْحُكْمِ.
أَمَّا: الْحَدِيثُ فَقَدْ سَبَقَ بِإِنْكَارِهِ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رحمه الله فَقَالَ: هَذَا اخْتِصَارٌ مِنْ الْغَزَالِيِّ لِحَدِيثٍ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي ذَلِكَ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ: رُوِيَ"أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بِأَبِي الْعُشَرَاءِ1 تَرَدَّى لَهُ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ فَهَلَكَ، فَرُفِعَتْ الْقِصَّةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَقَالَ لِأَبِي الْعُشَرَاءِ:"وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهَا لَحَلَّتْ لَكَ"فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَفِيمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثَلَاثَةُ أَغْلَاطٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ قَالَ:"وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتهَا فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في ش و ق والوحيد بالسين المهملة وصوابه بالمعجمة هكذا ضبطه الحافظ في التقريب (ط) .