ج / 9 ص -86- وَلَوْ رَمَى مَا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ جُرْثُومَةً أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ حَيَوَانًا آخَرَ مُحَرَّمًا، فَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، أَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا غَيْرَ مَأْكُولٍ، فَكَانَ مَأْكُولًا، أَوْ قَطَعَ فِي ظُلْمَةٍ مَا ظَنَّهُ ثَوْبًا فَكَانَ حَلْقَ شَاةٍ، فَانْقَطَعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا إلَى شَاخِصٍ يَظُنُّهُ حَجَرًا فَكَانَ صَيْدًا، أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ ذَبَحَ فِي ظُلْمَةٍ حَيَوَانًا فَظَنَّهُ مُحَرَّمًا، وَكَانَ شَاةً، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَفِي الْجَمِيعِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ حَرَامٌ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَلَوْ رَمَى إلَى شَاتِه الرَّبِيطَةِ سَهْمًا جَارِحًا فَأَصَابَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وِفَاقًا، وَقَطَعَهُمَا، فَفِي حِلِّ الشَّاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهَا احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الذَّبْحَ بِسَهْمِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الشَّاةَ فَيُصِيبَ لِلْمَذْبَحِ، وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ رَمَى شَيْئًا يَظُنُّهُ حَجَرًا وَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا حِلُّهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ ظَنَّهُ حَجَرًا لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ حَيَوَانًا مُحَرَّمًا كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ حَلَّ إلَّا أَنْ يَظُنَّهُ آدَمِيًّا فَلَا يَحِلَّ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: إذَا ظَنَّهُ إنْسَانًا لَمْ يَحِلَّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إذَا رَأَى خِنْزِيرًا بَرِّيًّا أَوْ أَسَدًا أَوْ ذِئْبًا وَكَانَ ظَبْيًا حَلَّ، وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَحِلُّ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ غَيْرَهُ فِي طَرِيقِهِ وَسَمْتِهِ، مَذْهَبُنَا أَنَّهُ حَلَالٌ كَمَا سَبَقَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد: لَا يَحِلُّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ تَوَحَّشَ أَهْلِيٌّ أَوْ نَدَّ بَعِيرٌ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ فِي حَلْقِهِ فَذَكَاتُهُ حَيْثُ يُصَابُ مِنْ بَدَنِهِ لِمَا رَوَى"رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ وَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمُ غَنَمًا وَإِبِلًا فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ هَذِهِ الْبَهَائِمَ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه:"مَا أَعْجَزَك مِنْ الْبَهَائِمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ"وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ ذَكَاتُهُ فِي الْحَلْقِ فَصَارَ كَالصَّيْدِ، وَإِنْ تَأَنَّسَ الصَّيْدَ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ الْأَهْلِيِّ. كَمَا أَنَّ الْأَهْلِيَّ إذَا تَوَحَّشَ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ الْوَحْشِيِّ.
الشَّرْحُ: حَدِيثُ رَافِعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ وقوله: نَدَّ هُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ هَرَبَ، وَالْأَوَابِدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ النُّفُورُ وَالتَّوَحُّشُ جَمْعُ آبِدَةٍ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيُقَالُ: أَبَدَتْ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالتَّخْفِيفِ يَأْبُدُ وَيَأْبِدُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَتَأَبَّدَتْ أَيْ تَوَحَّشَتْ وَنَفَرَتْ مِنْ الْإِنْسِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ الَّذِي لَا تَحِلُّ مَيْتَتُهُ ضَرْبَانِ: مَقْدُورٌ عَلَى ذَبْحِهِ وَمُتَوَحِّشٌ فَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْإِنْسِيُّ وَالْوَحْشِيُّ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ، بِأَنْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ، أَوْ كَانَ مُتَوَحِّشًا فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ كَالصَّيْدِ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ مَذْبَحٌ، مَا دَامَ مُتَوَحِّشًا، فَإِذَا