ج / 9 ص -76- سُلَيْمَانَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وأما الصَّيُودُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ فَلَا تَحْرُمُ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَحْرُمُ جَمِيعُ مَا صَادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ عَدَمُ تَعْلِيمِهِ. وأما إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ فَلَا يَحْرُمُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَكْلَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: إذَا أَدْخَلَ الْكَلْبُ ظُفُرَهُ أَوْ نَابَهُ فِي الصَّيْدِ نَجِسَ وَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ والثاني: لَا يَجِبُ لِأَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا ذَلِكَ أَلْزَمْنَاهُ أَنْ يَغْسِلَ جَمِيعَهُ لِأَنَّ النَّابَ إذَا لَاقَى جُزْءًا مِنْ الدَّمِ نَجِسَ ذَلِكَ الْجُزْءُ وَنَجِسَ كُلُّ مَا لَاقَاهُ إلَى أَنْ يَنْجَسَ جَمِيعُ بَدَنِهِ وَغَسْلُ جَمِيعِهِ يَشُقُّ فَسَقَطَ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ.
الشرح: قَوْلُهُ: إذَا أَدْخَلَ الْكَلْبُ ظُفُرَهُ أَوْ نَابَهُ فِي الصَّيْدِ نَجِسَ، يَعْنِي الْمَوْضِعَ الَّذِي أَدْخَلَ فِيهِ لِأَكْلِ الصَّيْدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رحمه الله قَالَ: إذَا أَدْخَلَ ظُفُرَهُ أَوْ نَابَهُ نَجِسَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ فَمِنْ: الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِهِ نَجِسَ: لَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلْمَشَقَّةِ، بَلْ يُعْفَى عَنْهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ وَمِنْهُمْ: مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِهِ نَجِسَ يَجِبُ غَسْلُهُ، فَذَكَرَ النَّجَاسَةَ وَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الْغَسْلِ، لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَتْ النَّجَاسَةُ وَجَبَ الْغَسْلُ، فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ مَوْضِعَ الظُّفُرِ وَالنَّابِ نَجِسٌ قَطْعًا، وَفِي وُجُوبِ غَسْلِهِ وَتَعْفِيرِهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَآخَرُونَ، فِي نَجَاسَتِهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: نَجِسَ، وَفِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَالتَّعْفِيرِ الْخِلَافُ والثاني: أَنَّهُ طَاهِرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة: من الآية4] وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا أَوْ دَائِمًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَ ذِكْرِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، مَعَ تَكْرَارِ سُؤَالِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ.
وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ: إنْ أَصَابَ الْكَلْبُ غَيْرَ الْعُرُوقِ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَصَابَ عِرْقًا نَضَّاحًا بِالدَّمِ سَرَى حُكْمُ النَّجَاسَةِ إلَى جَمِيعِ الصَّيْدِ وَحَرُمَ أَكْلُهُ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا اتَّصَلَتْ بِالدَّمِ فَالْعِرْقُ وِعَاءٌ حَاجِزٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ، ثُمَّ الدَّمُ إذَا كَانَ يَفُورُ امْتَنَعَ غَوْصُ النَّجَاسَةِ فِيهِ، كَالْمَاءِ الْمُتَصَعِّدِ مِنْ فَوَّارَةٍ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَعْلَاهُ لَمْ يَنْجَسْ مَا تَحْتَهُ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ نَجِسٌ، وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَيَطْهُرُ حِينَئِذٍ وَيُؤْكَلُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ مَوْضِعِ الظُّفُرِ وَالنَّابِ