ج / 9 ص -74- الْبَيَانِ: إذَا أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ نَظَرْتَ فَإِنْ قَتَلَهُ ثُمَّ مَضَى عَنْ الصَّيْدِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ عَقِبَ قَتْلِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ هَذَا لَفْظُهُ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: إذَا أَكَلَ مِنْهُ عَقِبَ الْقَتْلِ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ: إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِالْعَقْرِ حَلَّ، وَإِنْ أَكَلَهُ مُتَّصِلًا بِالْعَقْرِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: إنْ أَكَلَ مِنْهُ فَقَوْلَانِ سَوَاءٌ أَكَلَ قَبْلَ قَتْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ: وَقِيلَ: بَعْدَ الْقَتْلِ يَحِلُّ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَ: فَإِنْ تَرَكَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ وَقْتٍ حَلَّ، وَقِيلَ إنْ أَكَلَ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ لَمْ يَحِلَّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَقَوْلَانِ. هَذَا كَلَامُ الدَّارِمِيِّ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُتَّفِقٌ فِي الْمَعْنَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَخْصُوصَانِ بِمَا أَكَلَ مِنْهُ عَقِبَ الْعَقْرِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ فَهُوَ حَلَالٌ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ أَكَلَ مِنْ غَيْرِ مُفَارَقَةِ مَوْضِعِهِ أَمْ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ وَرُجُوعِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: نَصَّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَتَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ: نَصَّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَفِي الْجَدِيدِ عَلَى التَّحْرِيمِ جَزْمًا، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَيُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ نَصَّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَرَدَّدَ قَوْلَهُ فِي الْجَدِيدِ ثُمَّ مَال فِيهِ إلَى التَّحْرِيمِ، وَقَوْلُهُ فَأَفْتَى بِهِ فَحَصَلَ قَوْلَانِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَكْلِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ أَوْ عَقِبَهُ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَذَكَرْنَا عَنْ الدَّارِمِيِّ طَرِيقِينَ آخَرَيْنِ كَمَا سَبَقَ فَحَصَلَ ثَلَاثُ طُرُقٍ الْمَذْهَبُ: طَرْدُ قَوْلَيْنِ مُطْلَقًا والثاني: إنْ أَكَلَ قَبْلَ الْقَتْلِ حَرُمَ، وَإِنْ أَكَلَ بَعْدَهُ فَقَوْلَانِ والثالث: إنْ أَكَلَ بَعْدَ الْقَتْلِ حَلَّ، وَإِنْ أَكَلَ قَبْلَهُ فَقَوْلَانِ، ثُمَّ الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ التَّحْرِيمُ، هَكَذَا صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِمَا الْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهُ وَقَطَعَ بِهِ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ وَشَذَّ عَنْهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ فَقَالَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ حَلَالٌ وَالصَّوَابُ تَصْحِيحُ التَّحْرِيمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ عَدِيٍّ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } [المائدة: من الآية4] فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَيْنَا، وَلَمْ يَحِلَّ لَنَا إلَّا مَا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَيْنَا بِحَدِيثِ عَدِيٍّ قَالُوا: وَهُوَ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ مُتَكَاثِرَاتٍ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ لَا يُقَارِنُهُ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ حَسَنًا، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ وَفَارَقَهُ، ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَهَذَا لَا يَضُرُّ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَأَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ أَكَلَ مِنْ الصَّيُودِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ هَذَا يَعْنِي إذَا كَانَ قَدْ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مُعَلَّمًا وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا كُلُّهُ فِي جَوَارِحِ السِّبَاعِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهَا فأما: جَوَارِحُ الطَّيْرِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله أَنَّهَا كَالسِّبَاعِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُهُمْ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَالسِّبَاعِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ والثاني: يَحِلُّ مَا أَكَلَتْ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَآخَرُونَ، وَحَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هَذَا