ج / 9 ص -71- لَمْ يَحِلَّ سَوَاءٌ كَانَ عَلَّمَهَا مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، إلَّا مَا شَذَّ بِهِ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ فَحَكَيَا وَجْهًا أَنَّهُ يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ جَارِحَةُ الْمَجُوسِيِّ. وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا حَكَى وَجْهًا فِي حِلِّ مُنَاكَحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَحِلُّ صَيْدُهُ كَذَكَاتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ أَرَادَ هَذَا الْوَجْهَ، وَكَيْفَ كَانَ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ اشْتَرَكَ الْمُسْلِمُ وَالْمَجُوسِيُّ فِي إرْسَالِ كَلْبٍ أَوْ سَهْمٍ عَلَى الصَّيْدِ. وَاشْتَرَكَ كَلْبَاهُمَا فِي قَتْلِهِ لَمْ يَحِلَّ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَإِنْ رَمَيَا سَهْمَيْنِ أَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ فَسَبَقَ كَلْبُ الْمُسْلِمِ أَوْ سَهْمُهُ فَقَتَلَ الصَّيْدَ أَوْ أَنْهَاهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ حَلَّ، وَلَا أَثَرَ لِوُقُوعِ سَهْمِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ كَلْبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً ثُمَّ قَدَّهَا مَجُوسِيٌّ، وَإِنْ سَبَقَ مَا أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ أَوْ جَرَحَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا، وَلَمْ يَذْفِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَهَلَكَ بِهِمَا، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: مَتَى اشْتَرَكَا فِي إمْسَاكِهِ وَعَقْرِهِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ، أَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ كَلْبَانِ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُهُ أَوْ مُعَلَّمَانِ أَرْسَلَ أَحَدَهُمَا وَذَهَبَ الْآخَرُ بِلَا إرْسَالٍ فَقَتَلَا صَيْدًا أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا آخَرَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا الْقَاتِلُ فَهُوَ كَاسْتِرْسَالِ كَلْبَيْ الْمُسْلِمِ وَالْمَجُوسِيِّ، وَلَوْ تَقَرَّبَ الصَّيْدُ مِنْ كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَعَارَضَهُ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ حَلَّ، كَكَمَا لَوْ ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً أَمْسَكَهَا مَجُوسِيٌّ، وَلَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ أَوَّلًا ثُمَّ قَتَلَهُ مَجُوسِيٌّ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا غَيْرَ مُذَفِّفٍ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَحَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَدْ أَثْخَنَهُ بِجِرَاحَتِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ، وَيَلْزَمُ الْمَجُوسِيَّ قِيمَتُهُ لَهُ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فَجَعَلَهُ مَيْتَةً، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَحِلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينَتِهِ أَوْ رَمَى بِسَهْمِهِ أَوْ قَوْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ جَارِحَةً غَيْرَ مُعَلَّمَةٍ فَقَتَلَ الصَّيْدَ لَمْ يَحِلَّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ لَوْ جَرَحَهُ وَأَدْرَكَ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَذَكَّاهُ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا.
الرَّابِعَةُ: لَوْ اسْتَرْسَلَ الْمُعَلَّمُ بِغَيْرِ إرْسَالٍ فَقَتَلَ الصَّيْدَ لَمْ يَحِلَّ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ أَكَلَ مِنْ هَذَا الصَّيْدِ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ مُعَلَّمًا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي الْأَكْلِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ أَمَّا: إذَا اسْتَرْسَلَ فَزَجَرَهُ صَاحِبُهُ فَانْزَجَرَ وَوَقَفَ ثُمَّ أَغْرَاهُ فَاسْتَرْسَلَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ فَيَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَمَضَى لِوَجْهِهِ لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ زَادَ عَدْوُهُ وَحِدَّتُهُ أَمْ لَا، وَلَوْ لَمْ يَزْجُرْهُ بَلْ أَغْرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَدْوُهُ فَحَرَامٌ قَطْعًا، وَكَذَا وَإِنْ زَادَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ، فَإِنْ كَانَ الْإِغْرَاءُ وَزِيَادَةُ الْعَدْوِ بَعْدَ مَا زَجَرَهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ فَطَرِيقَانِ قَطَعَ"الْعِرَاقِيُّونَ بِالتَّحْرِيمِ وَقَالَ: الْخُرَاسَانِيُّونَ: فِيهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبًا وَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ فَازْدَادَ عَدْوُهُ فإن قلنا: فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الِاسْتِرْسَالِ وَلَا يُؤَثِّرُ الْإِغْرَاءُ حَلَّ هُنَا وَلَا أَثَرَ لِإِغْرَاءِ الْمَجُوسِيِّ. وَإِنْ قَطَعْنَاهُ وَأَحَلْنَا عَلَى الْإِغْرَاءِ لَمْ يَحِلَّ هَذَا. هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِالتَّحْرِيمِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلْأَوَّلِ أَوْ مُشَارَكَةٌ وَكِلَاهُمَا يُحَرِّمُهُ."