ج / 9 ص -61- الثالثة: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ الذَّابِحُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَيُوَجِّهَ الذَّبِيحَةَ إلَيْهَا، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ ذَبِيحَةٍ، وَهُوَ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقُرُبَاتِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْجِيهِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَبَقَتْ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ أَصَحُّهَا: يُوَجِّهُ مَذْبَحَهَا إلَى الْقِبْلَةِ، وَلَا يُوَجِّهُ وَجْهَهَا لِيُمْكِنَهُ هُوَ أَيْضًا الِاسْتِقْبَالُ والثاني: يُوَجِّهُهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهَا والثالث: يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا.
الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ الذَّبْحِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْكَلْبِ أَوْ السَّهْمِ إلَى الصَّيْدِ، فَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ، لَكِنْ فِي تَرْكِهَا عَمْدًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصحيح: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ والثاني: لَا يُكْرَهُ والثالث: يَأْثَمُ بِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً بِفُرُوعِهَا الْكَثِيرَةِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَعَ بَيَانِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ بِأَدِلَّتِهَا فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ: وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الذَّبْحِ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ. وَلَا تُكْرَهُ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
الْخَامِسَةُ: فِي حَقِيقَةِ الذَّبْحِ، وَقَدْ لَخَصَّهُ الرَّافِعِيُّ رحمه الله وَجَمَعَ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَهَذَّبَهَا وَهُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ: الذَّبْحُ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ الْحَيَوَانُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ إنْسِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا، أُضْحِيَّةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا. هُوَ التَّدْقِيقُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، مِنْ حَيَوَانٍ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، بِآلَةٍ لَيْسَتْ عَظْمًا وَلَا ظُفُرًا، فَهَذِهِ قُيُودٌ أَمَّا: الْقَطْعُ فَاحْتِرَازٌ مِمَّا لَوْ اخْتَطَفَ رَأْسَ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِ بِيَدٍ أَوْ بِبُنْدُقَةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ مَيْتَةٌ وأما الْحُلْقُومُ فَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجًا وَدُخُولًا، وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ تَحْتَ الْحُلْقُومِ وَوَرَاءَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ، وَقِيلَ: يُحِيطَانِ بِالْمَرِيءِ، يُقَالُ لَهُمَا: الْوَدَجَانِ، وَيُقَالُ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ مَعَهُمَا الْأَوْدَاجُ.
وَيُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الذَّكَاةِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي قَطْعُ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْقَى بَعْدَهُ قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَخِلَافُ مَقْصُودِ الذَّكَاةِ وَهُوَ الْإِزْهَاقُ بِمَا يُوحِي1 وَلَا يُعَذِّبُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ لِأَنَّهُ أَوْحَى وَالْغَالِبُ أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَلَوْ تَرَكَهُمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ تَرَكَ مِنْ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ شَيْئًا وَمَاتَ الْحَيَوَانُ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَكَذَا لَوْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَقَطَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَتْرُوكَ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ الْمَرِيءِ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يَضُرُّ بَلْ تَحْصُلُ الذَّكَاةُ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ قَطَعَ مِنْ الْقَفَا حَتَّى وَصَلَ الْحُلْقُومَ مِنْ الْمَرِيءِ عَصَى لِزِيَادَةِ الْإِيلَامِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ وَصَلَ إلَى الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَقَدْ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ لَمْ يَحِلَّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَصَلَهُمَا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَطَعَهُمَا حَلَّ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ ذَكَّاهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإيحاء هنا يعني السرعة فلا يعمل بتردد ولا اضطراب يؤديان إلى البطء الذي يفضي إلى تعذيب الذكي (المطيعي) .