ج / 8 ص -293- وَالتَّشْرِيقُ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ حَالَ النَّذْرِ. وَيَلْزَمُهُ صَوْمُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ الدَّهْرِ، وَلَوْ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بَعْدَ النَّذْرِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْهَا وَيَفْدِي عَنْ النَّذْرِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ أَنَّ النَّذْرَ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَمْ جَائِزِهِ؟ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَصُمْ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَيَصِيرُ كَالْعَاجِزِ عَنْ جَمِيعِ الْخِصَالِ.
وإن قلنا: بِالثَّانِي صَامَ عَنْ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ إنْ لَزِمَتْهُ بِسَبَبٍ هُوَ فِيهِ مُخْتَارٌ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ وَيُقَدَّمُ عَلَى النَّذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا إذَا1 ثُمَّ إنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ فَلَا فِدْيَةَ، وَإِنْ تَعَدَّى لَزِمَتْهُ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ نَوَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَضَاءَ يَوْمٍ كَانَ أَفْطَرَهُ مُتَعَدِّيًا فَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مَا فَعَلَ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ الْمَدُّ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صِحَّتِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّ الزَّمَانَ الْمُعَيَّنَ لِصَوْمِ النَّذْرِ هَلْ يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهُ؟ لِأَنَّ أَيَّامَ غَيْرِهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِلنَّذْرِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ الْمُفْطِرِ الْمُتَعَدِّي فِي حَيَاتِهِ وَلِيُّهُ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ الْمَيِّتِ وَلِيُّهُ؟ الظَّاهِرُ جَوَازُهُ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ مِنْهُ، قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَطْرَأُ عُذْرٌ يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ لَهُ، وَيُتَصَوَّرُ تَكَلُّفُ الْقَضَاءِ مِنْهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ قَضَى مَا أَفْطَرَ فِيهِ مُتَعَدِّيًا، وَسَيَأْتِي النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُسَافِرَ لِيَقْضِيَ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَصِحُّ نَذْرُهُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ، فَيَنْوِيَ صِيَامَهُ مِنْ اللَّيْلِ فَإِذَا قَدِمَ صَارَ مَا صَامَهُ قَبْلَ الْقُدُومِ تَطَوُّعًا، وَمَا بَعْدَهُ فَرْضًا، وَذَلِكَ يَجُوزُ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ. والثاني: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ، لِأَنَّهُ إنْ قَدِمَ بِالنَّهَارِ فَقَدْ مَضَى جُزْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ فِيهِ غَيْرُ صَائِمٍ، وَإِنْ تَحَرَّى الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فَنَوَى مِنْ اللَّيْلِ فَقَدِمَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، كَانَ مَا قَبْلَ الْقُدُومِ تَطَوُّعًا، وَقَدْ أَوْجَبَ صَوْمَ جَمِيعِهِ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُهُ فَقَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ. لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَقْدَمَ نَهَارًا، وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ، فَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ. وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا وَهُوَ صَائِمٌ عَنْ تَطَوُّعٍ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ النَّذْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا فَنَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ عَنْ النَّذْرِ صَحَّ عَنْ النَّذْرِ وَيَكُونُ أَوَّلُهُ تَطَوُّعًا وَالْبَاقِي فَرْضًا، فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ نَذْرَانِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ مَقْدِمِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَوَّلَ خَمِيسٍ بَعْدَهُ، فَقَدِمَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ عَنْ أَوَّلِ نَذْرِهِ، ثُمَّ يَقْضِي عَنْ الْآخَرِ.
الشرح: قَوْلُهُ: وَإِنْ نَذَرَ الْيَوْمَ الَّذِي يُقَدِّمُ فِيهِ هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف وَالدَّال الْمُشَدِّدَة - يَعْنِي عَرَفَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَفِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ انْعِقَادُهُ. والثاني: لَا يَنْعَقِدُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل: ولعل السقط"كفر عنه".