ج / 8 ص -294- فَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَقِدُ نَظَرَ إنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا صَوْمَ عَلَى النَّاذِرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَوْمَ قُدُومٍ. وَلَوْ عَنَى بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِقَابِلِ الصَّوْمِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ الْفِدَاءُ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا آخَرَ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا فَلِلنَّاذِرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أحدها: أَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ عَنْ نَذْرِهِ يَوْمًا آخَرَ، وَهَلْ نَقُولُ: لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ الصَّوْمُ عَنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ أَوْ مِنْ وَقْتِ الْقُدُومِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ قَوْلَانِ أصحهما: مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ منها: لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ، فَقَدِمَ نِصْفَ النَّهَارِ - إنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ - اعْتَكَفَ بَاقِيَ الْيَوْمِ، وَلَزِمَهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا مَكَانَهُ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْآخَرِ: كَفَاهُ اعْتِكَافُ بَاقِي الْيَوْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ.
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ فَبَاعَهُ ضَحْوَةً ثُمَّ قَدِمَ فُلَانٌ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ فَإِنْ قُلْنَا: بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَانَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَحُرِّيَّةُ الْعَبْدِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وإن قلنا: بِالثَّانِي فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَلَا حُرِّيَّةَ، هَذَا إذَا كَانَ قُدُومُ زَيْدٍ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا مِنْ الْمَجْلِسِ وَلُزُومِ الْعَقْدِ، أَمَّا إذَا قَدِمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَيَقَعُ الْعِتْقُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ حَصَلَ الْعِتْقُ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بَعْدَ عَنْ سَلِطَةِ الْبَائِعِ. وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ ضَحْوَةً ثُمَّ قَدِمَ فُلَانُ لَمْ يُوَرَّثْ عَنْهُ الْعَبْدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَيُوَرَّثُ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ثُمَّ قَدِمَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيُجْزِئُهُ عَلَى الثَّانِي. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَمَاتَتْ أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ثُمَّ قَدِمَ فُلَانٌ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ بَانَ أَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وإن قلنا: بِالثَّانِي لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَوْ خَالَعَهَا فِي صَدْرِ النَّهَارِ وَقَدِمَ فُلَانٌ فِي آخِرِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْخُلْعِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ الْخُلْعُ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ عَنْ وَاجِبٍ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ فَيُتِمُّ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَلْزَمُهُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ لِهَذَا النَّذْرِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ فِيهِ، لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا مُسْتَحِقَّ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ يَوْمَ قُدُومِ فُلَانٍ. قَالَ الْبَغَوِيّ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ صَامَهُ عَنْ نَذْرٍ آخَرَ أَوْ قَضَاءٍ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَقْضِي نَذْرَ هَذَا الْيَوْمِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقْدَمَ وَهُوَ صَائِمٌ تَطَوُّعًا أَوْ غَيْرُ صَائِمٍ وَهُوَ مُمْسِكٌ، وَهُوَ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، فَيَبْنِي عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَمْ مِنْ وَقْتِ الْقُدُومِ؟ إنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمْسِكَ بَقِيَّةَ هَذَا النَّهَارِ وإن قلنا: بِالثَّانِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي يَبْنِي عَلَى جَوَازِ نَذْرِ صَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ إنْ جَوَّزْنَاهُ نَوَى إذَا قَدِمَ وَكَفَاهُ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ يَوْمًا كَامِلًا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ قُلْنَا: يَجِبُ الصَّوْمُ مِنْ وَقْتِ الْقُدُومِ فَهُنَا وَجْهَانِ أصحهما: يَجِبُ صَوْمُ يَوْمٍ آخَرَ والثاني: يَلْزَمُهُ إتْمَامُ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَكُونُ أَوَّلُهُ تَطَوُّعًا وَآخِرُهُ فَرْضًا، كَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ. هَذَا إذَا كَانَ صَائِمًا عَنْ