ج / 8 ص -292- نِفَاسٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَالْعِيدِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ قَطْعًا لِأَنَّ وَاجِبَهُ شَرْعًا يُقْضَى، وَهُوَ رَمَضَانُ، فَكَذَا بِالنَّذْرِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ إنَّ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ غَالِبَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ فَعَدَمُ الْقَضَاءِ فِيمَا تَقَعُ عَادَتُهَا أَصَحُّ وَأَقْوَى وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ، وَلَوْ أَفْطَرَ هَذَا النَّاذِرُ بَعْضَ الْأَثَانِينِ بِالْمَرَضِ فَطَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إذَا لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَثَانِينِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ أَوْ تَأَخَّرَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَضَاءُ الْأَثَانِينِ وَلَوْ عَكَسَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْكَفَّارَةِ لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ، ثُمَّ إنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْأَثَانِينِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْأَثَانِينِ الْوَاقِعَةِ فِي الشَّهْرَيْنِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ بَعْدَ النَّذْرِ، وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْأَثَانِينِ الْوَاقِعَةِ فِي الشَّهْرَيْنِ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ.
أصحهما: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ فِي"الْمُحَرَّرِ"و"طَائِفَةٍ": يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ.
والثاني: لَا يَجِبُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ ثُمَّ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصُومُ الشَّهْرَيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ عَنْ النَّذْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْأَثَانِينِ، لِأَنَّ صَوْمَهَا مُسْتَحَقٌّ بِالنَّذْرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ اثْنَيْنِ ثُمَّ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا؟ فَإِنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ الشَّهْرَيْنِ إلَّا الْأَثَانِينَ عَنْ النَّذْرِ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَثَانِينُ فَيَصُومُهَا عَنْ النَّذْرِ الْأَوَّلِ. وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّذْرِ الثَّانِي لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّوْمِ عَنْ النَّذْرِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا أَوْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ أُسْبُوعًا مُتَتَابِعًا ثُمَّ نَذَرَ الْأَثَانِينَ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الشَّهْرَ أَوْ الشَّهْرَيْنِ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ثُمَّ نَذَرَ الْأَثَانِينَ، وَإِنْ عَيَّنَ فَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ وَقْتًا لِلصَّوْمِ هَلْ يَجُوزُ فِيهِ الصَّوْمُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ آخَرَ؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ وَإِلَّا فَحُكْمُ ذَلِكَ الشَّهْرِ حُكْمُ رَمَضَانَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيّ، وَقَالَ أَيْضًا: إذَا صَادَفَ نَذْرَانِ زَمَانًا مُعَيَّنًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ الثَّانِي وَطُرِدَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِيمَا إذَا قَالَ: إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ التَّالِي لِقُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرُو فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَوَّلَ خَمِيسٍ بَعْدَ قُدُومِهِ، فَقَدِمَا مَعًا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَنَقَلَ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ أَوَّلِ نَذْرٍ نَذَرَهُ، وَيَقْضِي يَوْمَ النَّذْرِ الثَّانِي. وَفِي"تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ"وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوَّلَ خَمِيسٍ بَعْدَ شِفَاءِ مَرِيضِهِ، وَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانُ، فَشَفَى الْمَرِيضُ، وَأَصْبَحَ النَّاذِرُ فِي أَوَّلِ الْخَمِيسِ صَائِمًا فَقَدِمَ فِيهِ فُلَانُ وَقَعَ صَوْمُهُ عَمَّا نَوَاهُ وأما: النَّذْرُ الْآخَرُ - فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْعَقِدُ - فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْعَقِدُ قَضَى عَنْهُ يَوْمًا آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْعِيدَانِ