ج / 8 ص -287- التَّتَابُعُ - أَتَمَّ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ فِيهِ يَجِبُ لِأَجَلِ الْوَقْتِ، فَهُوَ كَالصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَمَا يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَزِمَهُ بِالشَّرْطِ، فَبَطَلَ بِالْفِطْرِ كَصَوْمِ الظِّهَارِ.
وَإِنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ - وَقَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ - فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِاخْتِيَارِهِ والثاني: لَا يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ فَأَشْبَهَ الْفِطْرَ بِالْحَيْضِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ فَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَائِضِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ أَفْطَرَ بِالسَّفَرِ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْمَرَضِ، فَالسَّفَرُ أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ بِالْمَرَضِ. فَفِي السَّفَرِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ فَهُوَ كَالْفِطْرِ بِالْمَرَضِ. وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ، لِأَنَّ سَبَبَهُ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ.
وَإِنْ نَذَرَ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ - جَازَ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ صَامَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ وَهِيَ نَاقِصَةٌ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الشُّهُورَ فِي الشَّرْعِ بِالْأَهِلَّةِ، وَإِنْ صَامَ سَنَةً مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَأَيَّامَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي الذِّمَّةِ فَانْتَقَلَ فِيمَا لَمْ يُسْلَمْ مِنْهُ إلَى الْبَدَلِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ، وَيُخَالِفُ السُّنَّةَ الْمُعَيَّنَةَ فَإِنَّ الْفَرْضَ فِيهَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَلَمْ يَنْتَقِلْ فِيمَا لَمْ يَسْلَمْ إلَى الْبَدَلِ كَالسِّلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا رَدَّهَا بِالْعَيْبِ، وَأَمَّا إذَا اُشْتُرِطَ فِيهَا التَّتَابُعُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُهَا مُتَتَابِعًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله: إذَا أَطْلَقَ الْتِزَامَ الصَّوْمِ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلِيَّ صَوْمٌ أَوْ أَنْ أَصُومَ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَكْفِيه إمْسَاكُ بَعْضِ يَوْمٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّذْرَ يَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَصِحُّ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَنَّ إمْسَاكَ بَعْضِ الْيَوْمِ صَوْمٌ، وَسَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ وَبَيَّنَهَا فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْأَيَّامَ لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. وَلَوْ قَالَ: أَصُومُ دَهْرًا أَوْ حِينًا كَفَاهُ صَوْمُ يَوْمٍ، وَهَلْ يَجِبُ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ أَمْ يَكْفِي بِنِيَّةِ قَبْلِ الزَّوَالِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ بِاشْتِرَاطِ التَّبْيِيتِ، وَذَكَرَ آخَرُونَ فِيهِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ هَلْ يُسْلَكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ أَمْ الْجَائِزِ؟ إنْ قُلْنَا: مَسْلَكَ الْوَاجِبِ اُشْتُرِطَ التَّبْيِيتُ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إذَا لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ بِالنَّذْرِ فَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهِ، وَلَا تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ، بَلْ يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِأَيِّ يَوْمٍ صَامَهُ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي تَقْبَلُ الصَّوْمَ غَيْرَ رَمَضَانَ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ خَمِيسٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ صَامَ أَيَّ خَمِيسٍ شَاءَ، فَإِذَا مَضَى خَمِيسٌ وَلَمْ يَصُمْ مَعَ التَّمَكُّنِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَ الصَّوْمِ فُدِيَ عَنْهُ. وَلَوْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ يَوْمًا كَأَوَّلِ خَمِيسٍ مِنْ الشَّهْرِ، أَوْ خَمِيسٍ هَذَا الْأُسْبُوعِ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ قَبْلَهُ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ صَامَ قَضَاءً، سَوَاءٌ أَخَّرَهُ بِعُذْرٍ أَمْ لَا لَكِنْ إنْ أَخَّرَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بِعُذْرِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَأْثَمْ.
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي تَعَيُّنِهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ: تَعَيُّنُهُ والثاني: لَا، كَمَا لَوْ عَيَّنَ مَكَانًا، فَعَلَى هَذَا قَالُوا: يَجُوزُ الصَّوْمُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ عَيَّنَ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْأُسْبُوعِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْمُعَيَّنُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ قَضَاءً، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرُ الْأُسْبُوعِ وَيَوْمَ السَّبْتِ أَوَّلُهُ، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: