فهرس الكتاب

الصفحة 2967 من 4102

ج / 8 ص -275- أَمَّا إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدَانَقٍ وَدُونِهِ مِمَّا يُتَمَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الزَّكَاةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي نِصَابِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، بَلْ تَكُونُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَفِي الْخُلْطَةِ، وَيُتَصَوَّرُ إيجَابُ دَانَقٍ وَدُونِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَيْضًا فِي الزَّكَاةِ إذَا تَلِفَ مُعْظَمُ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَقُلْنَا: التَّمَكُّنُ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْهَا: إذَا نَذَرَ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ، فَإِنْ نَزَّلْنَا عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ وَجَبَتْ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الدَّارَكِيِّ، وَإِلَّا أَجْزَأَهُ كَافِرَةٌ مَعِيبَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي"التَّنْبِيهِ"وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ قَيَّدَ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ لَمْ يُجْزِهِ الْكَافِرَةُ وَلَا الْمَعِيبَةُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ قَالَ كَافِرَةٌ أَوْ مَعِيبَةٌ أَجْزَأَتْهُ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوْ أَعْتَقَ مُؤْمِنَةً سَلِيمَةً فَقِيلَ لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَا الْتَزَمَهُ وَالصَّحِيحُ: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ، وَذَكَرَ الْكُفْرَ وَالْعَيْبَ لَيْسَ لِلتَّقَرُّبِ، بَلْ لِجَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى النَّاقِصِ، فَصَارَ كَمَنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِحِنْطَةٍ رَدِيئَةٍ يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَيِّدَةِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْكَافِرَ أَوْ الْمَعِيبَ، لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهُ لِتَعَلُّقِ النَّذْرِ بِعَيْنِهِ.

أَمَّا إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ الِاعْتِكَافِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِهِ وَجْهَانِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ اللُّبْثُ أَمْ يَكْفِي الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ النِّيَّةِ؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ لُبْثٌ وَيَخْرُجُ عَنْ النَّذْرِ بِلُبْثِ سَاعَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ يَوْمًا، وَإِنْ اكْتَفَيْنَا بِالْمُرُورِ فِي أَصْلِ الِاعْتِكَافِ فَلِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَانِ أحدهما: يُشْتَرَطُ لُبْثٌ، لِأَنَّ لَفْظَ الِاعْتِكَافِ يُشْعِرُ بِهِ والثاني: لَا، حَمْلًا لَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ شَرْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا بِمُجَرَّدِ النَّذْرِ، فَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ هِبَتَهَا أَوْ الْوَصِيَّةَ بِهَا أَوْ إبْدَالَهَا بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ أَتْلَفَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ الْقِيمَةُ لِلْمَوْلَى وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا الْمَوْلَى بِمَا شَاءَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا رَقَبَةً يُعْتِقُهَا، وَدَلِيلُ جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فِي الْكِتَابِ، وَفِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بِفُرُوعِهَا وَإِيضَاحِ الْفَرْقِ فِي بَابِ الْهَدْيِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا نَظَرْت فَإِنْ سَمَّاهُ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ لَزِمَهُ مَا سَمَّاهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْهَدْيَ فَفِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ فِي"الْإِمْلَاءِ"و"الْقَدِيمِ": يُهْدِي مَا شَاءَ، لِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: أَهْدَيْت لَهُ دَارًا وَأَهْدَى لِي ثَوْبًا، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى قُرْبَانًا وَلِهَذَا قَالَ صلى الله عليه وسلم فِي الْجُمُعَةِ:"مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً"فَإِذَا سُمِّيَ قُرْبَانًا وَجَبَ أَنْ يُسَمَّى هَدْيًا، وَقَالَ فِي"الْجَدِيدِ": لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْجَذَعَةُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّةِ مِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَحُمِلَ مُطْلَقُ النَّذْرِ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت