ج / 8 ص -273- فرع: إذَا قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي"التَّنْبِيهِ"وَجَمَاعَاتٌ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: كَانَتْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُصَافَحَةِ لِلرِّجَالِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْحَجِّ وَصَدَقَةِ الْمَالِ، قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْأَيْمَانَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أَرَادَهَا نَظَرَ - إنْ قَالَ فَطَلَاقُهَا وَعِتَاقُهَا لَازِمٌ لِي - انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِهِمَا، وَلَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِمَا لَكِنْ نَوَاهُمَا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ أَيْضًا بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَنْعَقِدَانِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ"وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يُجْزِئُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ اعْتِبَارًا بِلَفْظِهِ والثاني: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ الَّتِي يَجِبُ عِتْقُهَا بِالشَّرْعِ مَا يَجِبُ بِالْكَفَّارَةِ فَحُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُعْتِقَهَا، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا حَتَّى يُعْتِقَهَا، فَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ إبْدَالَهَا بِغَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْقُرْبَةِ فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ كَالْوَقْفِ، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْعَبْدِ فَسَقَطَ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لِلْمَوْلَى وَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهَا فِي عَبْدٍ آخَرَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
الشرح: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحداها: إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: يَكْفِيه أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ. دَلِيلُنَا أَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ. أَمَّا إذَا قَالَ مَالِي صَدَقَةٌ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَرِيبًا. وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ صَحَّ نَذْرُهُ وَيُجْزِئُهُ التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا بِاللَّفْظِ وَلَا بِالنِّيَّةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
الثَّانِيَةُ: إذَا نَذَرَ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: يُجْزِئُهُ إعْتَاقُ مَا يُسَمَّى رَقَبَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعِيبَةً وَكَافِرَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعْتِقُ رَقَبَةً أَيَّةُ رَقَبَةٍ كَانَتْ والثاني: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَهِيَ الْمُؤْمِنَةُ السَّلِيمَةُ. وَبَنَى أَصْحَابُنَا هَذَا الْخِلَافَ عَلَى أَصْلٍ مَفْهُومٍ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، وَهُوَ أَنَّ النَّاذِرَ إذَا الْتَزَمَ عِبَادَةً بِالنَّذْرِ وَأَطْلَقَهَا فَلَمْ يَصِفْهَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يُحْمَلُ نَذْرُهُ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَفْهُومَانِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أحدهما: يُنَزَّلُ عَلَى أَقَلِّ وَاجِبٍ مِنْ جِنْسِهِ يَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، لِأَنَّ الْمَنْذُورَ وَاجِبٌ فَجُعِلَ كَوَاجِبِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً والثاني: يُنَزَّلُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَصِحُّ مِنْ جِنْسِهِ وَقَدْ يَقُولُونَ: عَلَى أَقَلِّ جَائِزِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ النَّاذِرِ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
قلت: الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الصَّحِيحَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ، فَفِي بَعْضِهَا يُصَحِّحُونَ الْقَوْلَ