ج / 8 ص -268- فرع: قَالَ الْبَغَوِيّ فِي بَابِ"الِاسْتِسْقَاءِ": لَوْ نَذَرَ الْإِمَامُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِالنَّاسِ وَيُصَلِّيَ بِهِمْ، قَالَ وَلَوْ نَذَرَ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُطِيعُونَهُ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَخْطُبَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ لَزِمَهُ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ قَاعِدًا مَعَ اسْتِطَاعَتِهِ الْقِيَامَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَنَّ النَّذْرَ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ مَسْلَكَ جَائِزِهِ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: سُئِلَ الْغَزَالِيُّ رحمه الله فِي"فَتَاوِيهِ"عَمَّا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَهَبَك مِائَةَ دِينَارٍ، هَلْ يَصِحُّ هَذَا النَّذْرُ؟ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ هَلْ يَلْزَمُهُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَهَذَا مُبَاحٌ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي إلَّا إذَا نُقِلَ مَذْهَبٌ مُعْتَبَرٌ فِي لُزُومِ ذَلِكَ النَّذْرِ.
فرع: نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ وَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ عَنْ ابْنِي، هَلْ يَلْزَمُهُ الذَّبْحُ عَنْ وَلَدِهِ لِكَوْنِ الذَّبْحِ عَنْ الْأَوْلَادِ قُرْبَةً؟ وَوَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعَجِّلَ زَكَاةَ مَالِي هَلْ يَصِحُّ نَذْرُهُ؟ وَوَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ ابْنِي، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَشَاةً مَكَانَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ؟ وَوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا نَذَرَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَصُومَ أَوْ يُصَلِّيَ ثُمَّ أَسْلَمَ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ صَلَاةَ شَرْعِنَا وَصَوْمِهِ؟ هَذَا نَقْلُ ابْنِ كَجٍّ وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ النَّذْرِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَبُطْلَانُهُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَكْسُوَ يَتِيمًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِالْيَتِيمِ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ فِي الشَّرْعِ يَقَعُ لِلْمُسْلِمِ، هَذَا نَقْلُ الرَّافِعِيِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ مَسْلَكَ جَائِزِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ إنْ قُلْنَا مَسْلَكَ جَائِزِهِ جَازَ صَرْفُهُ إلَى الذِّمِّيِّ، وَإِلَّا فَلَا.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ نَذَرَ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ الزِّنَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ نَذْرَهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ خَالَفَهُ فَلَا كَفَّارَةَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَنْعَقِدُ وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، بَلْ يَجِبُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْمَذْهَبَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ أَيْضًا بِحَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا:"لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ"وَنَحْوِهِ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفَهُمَا1 وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة والنسائي عن عمران بن الحصين ولم يخرجه السيوطي في"جمع الجوامع"لشدة ضعفه والله أعلم، وإن كان قد أورده في"زوائد الجامع الصغير".