ج / 8 ص -267- التَّيَمُّمَ لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ: وَلَوْ نَذَرَ أَنْ لَا يَهْرُبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا مِنْ الْكُفَّارِ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى مُقَاوَمَتِهِمْ انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ وَإِلَّا فَلَا. وَفِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ الْكَفَافُ قَطُّ حَتَّى لَوْ نَذَرَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مَكْرُوهًا لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ شَوَّالٍ أَوْ مِنْ بَلَدِ كَذَا لَزِمَهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْمُبَاحُ وَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ شَرْعًا، فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ تَرْغِيبٌ وَلَا تَرْهِيبٌ، كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَلَوْ نَذَرَ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ يَقْصِدُ بِالْأَكْلِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ، وَبِالنَّوْمِ النَّشَاطَ لِلتَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ، فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، لَكِنْ الْفِعْلُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الثَّوَابُ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ. وَهَلْ يَكُونُ نَذْرُ الْمُبَاحِ يَمِينًا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَذْرِ الْمَعَاصِي وَالْفَرَائِضِ، وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْمُبَاحِ، وَذَكَرَ فِي الْمَعْصِيَةِ وَجْهَيْنِ وَعَلَّقَ الْكَفَّارَةَ بِاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُهُ، وَالصَّوَابُ فِي كَيْفِيَّةِ الْخِلَافِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَالصَّوَابُ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ مُطْلَقًا لَا عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ وَلَا غَيْرِهَا فِي نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَرْضِ وَالْمُبَاحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ نَذَرَ الْجِهَادَ فِي جِهَةٍ بِعَيْنِهَا فَفِي تَعَيُّنِهَا أَوْجُهٌ مَشْهُورَةٌ أحدها: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ صَاحِبِ"التَّلْخِيصِ"تَتَعَيَّنُ لِاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ والثاني: قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ: لَا تَتَعَيَّنُ، بَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يُجَاهِدَ فِي جِهَةٍ أَسْهَلَ وَأَقْرَبَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ لَا تَتَعَيَّنُ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الَّتِي يُجَاهِدُ فِيهَا كَالْمُعَيَّنَةِ فِي الْمَسَافَةِ وَالْمُؤْنَةِ، فَيَحْصُلُ مَسَافَةُ الْجِهَاتِ كَمَسَافَةِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ فِي نَذْرِهِ الْقُرْبَةُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَالْإِعْتَاقِ أَنْ يَلْتَزِمَهَا فِي الذِّمَّةِ يُضِيفُ إلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُهُ فَإِنَّ الْمُعَيَّنَ لِغَيْرِهِ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ قَطْعًا، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِي لُزُومِهَا وَجْهَيْنِ، وَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقُهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، قَالَ وَلَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدَ فُلَانٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ والثاني: لَا يَنْعَقِدُ، وَالْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا قَصَدَ الشُّكْرَ عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ، فَإِنْ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ تَمَلُّكِهِ فَهُوَ نَذْرُ لَجَاجٍ، وَسَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: لَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي وَمَلَكْت عَبْدًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَهُ، أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدًا إنْ مَلَكْته انْعَقَدَ نَذْرُهُ، قَالَ وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَكُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ، أَوْ فَعَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ إنْ مَلَكْته، لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ التَّقَرُّبَ بِقُرْبَةٍ، لَكِنَّهُ عَلَّقَ الْحُرِّيَّةَ بَعْدَ حُصُولِ النِّعْمَةِ بِشَرْطٍ وَلَيْسَ هُوَ مَالِكًا فِي حَالِ التَّعْلِيقِ فَلَغَا تَعْلِيقُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا أَوْ عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ قَطْعًا. قَالَ وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَبْدِي حُرٌّ إنْ دَخَلَ الدَّارَ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَقَدْ عَلَّقَهُ بِصِفَتَيْنِ الشِّفَاءِ وَالدُّخُولِ، قَالَ وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَشْتَرِيَ عَبْدًا وَأُعْتِقَهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ قَطْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.