ج / 1 ص -164- قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَيَجِبُ الْخِتَانُ لقوله تعالى: {أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ} [النحل:123] وَرُوِيَ"أَنَّ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم خَتَنَ نَفْسَهُ بِالْقَدُومِ"وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا كُشِفَتْ لَهُ الْعَوْرَةُ؛ لِأَنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ مُحَرَّمٌ فَلَمَّا كُشِفَتْ لَهُ الْعَوْرَةُ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ".
الشرح:رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ:"رُوِيَ"بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّضْعِيفِ مَعَ أَنَّهُ فِي"الصحيحين"وَقَدْ سَبَقَ لَهُ نَظِيرُهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ هُنَاكَ. وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ.
وَفِي الْقَدُومِ رِوَايَتَانِ التَّخْفِيفُ وَالتَّشْدِيدُ، وَالْأَكْثَرُونَ رَوَوْهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَعَلَى هَذَا هُوَ اسْمُ مَكَان بِالشَّامِ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ بِالتَّخْفِيفِ، وَقِيلَ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَيْضًا مَوْضِعٌ بِالشَّامِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمُرَادُ بِهِ آلَةُ النَّجَّارِ وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ لَا غَيْرُ وَجَمْعُهَا قُدُمٌ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى قَدَائِمَ، وَلَا يُقَالُ قَدَادِيمُ قَالَ: وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى فَتْحِ الْقَافِ فِي الْآلَةِ وَالْمَكَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَة عَلَى وُجُوبِ الْخِتَانِ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِالتَّدَيُّنِ بِدِينِهِ فَمَا فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ فَعَلْنَاهُ مُعْتَقِدِينَ وُجُوبَهُ، وَمَا فَعَلَهُ نَدْبًا فَعَلْنَاهُ نَدْبًا، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُهُ وَاجِبًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ صَرِيحَةٌ فِي اتِّبَاعِهِ فِيمَا فَعَلَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي إيجَابَ كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي حَقِّنَا كَالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ خِصَالَ الْفِطْرَةِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِكَشْفِ الْعَوْرَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ آخَرُونَ مَعَ الْمُصَنِّفِ وَقَالَهُ قَبْلَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ - رحمه الله - أُورِدَ عَلَيْهِ كَشْفُهَا لِلْمُدَاوَاةِ الَّتِي لَا تَجِبُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَشْفَهَا لَا يَجُوزُ لِكُلِّ مُدَاوَاةٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مَوْضِعٍ يَقُولُ أَهْلُ الْعُرْفِ: إنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي الْمُدَاوَاةِ رَاجِحَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمُرُوءَةِ وَصِيَانَةِ الْعَوْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ.
فَلَوْ كَانَ الْخِتَانُ سُنَّةً لَمَا كُشِفَتْ الْعَوْرَةُ الْمُحَرَّمُ كَشْفُهَا لَهُ. وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ وَالْغَزَالِيُّ فِي"الوسيط"وَجَمَاعَةٌ قِيَاسًا فَقَالُوا: الْخِتَانُ قَطْعُ عُضْوٍ سَلِيمٍ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ كَقَطْعِ الْأُصْبُعِ، فَإِنَّ قَطْعَهَا إذَا كَانَتْ سَلِيمَةً لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَجَبَ بِالْقِصَاصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: الْخِتَانُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَفِ، كَذَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا لَنَا، وَحَكَى وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَسُنَّةٌ فِي الْمَرْأَةِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ شَاذَانَ، وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ. فَإِنْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ بِحَدِيثِ: الْفِطْرَةُ عَشْرَةٌ وَمِنْهَا الْخِتَانُ، فَجَوَابُهُ قَدْ سَبَقَ عِنْدَ ذِكْرِنَا تَفْسِيرَ الْفِطْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .