ج / 8 ص -245- ابْتِدَاءً: عَلَيَّ التَّضْحِيَةُ بِهَذِهِ الشَّاةِ لَزِمَهُ التَّضْحِيَةُ قَطْعًا وَتَتَعَيَّنُ تِلْكَ الشَّاةُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ. وَفِي تَعَيُّنِ هَذَا الْعَبْدِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. وَالْعَبْدُ أَوْلَى بِالتَّعَيُّنِ؛ لِأَنَّهُ ذُو حَقٍّ فِي الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ نَذَرَ إعْتَاقَ عَبْدٍ ثُمَّ عَيَّنَ عَبْدًا عَمَّا الْتَزَمَهُ، فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت هَذَا الْعَبْدَ عَتِيقًا لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت هَذَا الْمَالَ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ صَدَقَةً تَعَيَّنَتْ عَلَى الْأَصَحِّ كَشَاةِ الْأُضْحِيَّةِ وَعَلَى الثَّانِي: لَا، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ لِتُسَاوِيهَا بِخِلَافِ الشَّاةِ. وَلَوْ قَالَ: عَيَّنْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَمَّا فِي ذِمَّتِي مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ لُغِيَ التَّعْيِينُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ. كَذَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الدَّرَاهِمِ ضَعِيفٌ، وَتَعَيُّنَ مَا فِي الذِّمَّةِ ضَعِيفٌ، فَيَجْتَمِعُ سَبَبَا ضَعْفٍ، قَالَ: وَقَدْ يُفَادُ مِنْ تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ لِدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ قَالَ: وَلَا تَخْلُو الصُّورَةُ مِنْ احْتِمَالٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي جَوَازِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ إلَى الْمُكَاتَبِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أحدهما: يَجُوزُ كَالزَّكَاةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَى عَبْدٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا بِهِ إلَى سَيِّدِهِ هَدِيَّةً، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مَنْ نَذَرَ الْأُضْحِيَّةَ فِي عَامٍ فَأَخَّرَ عَصَى. وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كَمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ.
الرَّابِعَةُ: مَنْ ضَحَّى بِعَدَدٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ شَاتَيْنِ ذَبَحَ شَاةً فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَأُخْرَى فِي آخِرِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ - وَإِنْ كَانَ أَرْفَقَ بِالْمَسَاكِينِ - فَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ أَهْدَاهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ - وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ - فَنَحَرَ بِيَدِهِ بِضْعًا وَسِتِّينَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا رضي الله عنه بِنَحْرِ تَمَامِ الْمِائَةِ"فَالسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ وَالْمُسَارَعَةُ إلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادَأَةُ بِالصَّالِحَاتِ إلَّا مَا ثَبَتَ خِلَافُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: مَحِلُّ التَّضْحِيَةِ مَوْضِعُ الْمُضَحِّي، سَوَاءٌ كَانَ بَلَدَهُ أَوْ مَوْضِعَهُ مِنْ السَّفَرِ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، وَفِي نَقْلِ الْأُضْحِيَّةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ تَخْرِيجًا مِنْ نَقْلِ الزَّكَاةِ.
السَّادِسَةُ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُضَحِّيَ فِي دَارِهِ بِمَشْهَدِ أَهْلِهِ. هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَخْتَارُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُضَحِّيَ لِلْمُسْلِمِينَ كَافَّةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِبَدَنَةٍ فِي الْمُصَلَّى. فَإِنْ لَمْ تَتَيَسَّرْ فَشَاةٌ، وَأَنَّهُ يَنْحَرُهَا بِنَفْسِهِ. وَإِنْ ضَحَّى مِنْ مَالِهِ ضَحَّى حَيْثُ شَاءَ. هَذَا كَلَامُهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى".
السَّابِعَةُ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي فَضْلِ الْأُضْحِيَّةِ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ شِعَارٌ ظَاهِرٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ السَّلَفِ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَأَبُو الضَّحَّاكِ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ بِلَالٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ: