ج / 8 ص -246- الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ. حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
الثَّامِنَةُ: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَالسَّفِيهِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَاطِ لِمَالِهِمَا مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ بِهِ، وَالْأُضْحِيَّةُ تَبَرُّعٌ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُضَحِّي مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَالسَّفِيهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُضَحِّي عَنْهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا بِشَاةٍ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَنَحْوِهِ. دَلِيلُنَا مَا سَبَقَ. وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: يَمْنَعُ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَأْمُرُ بِإِخْرَاجِ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعَةُ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ إطْعَامِ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إطْعَامِ فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: غَيْرُهُمْ أَحَبُّ إلَيْنَا. وَكَرِهَ مَالِكٌ أَيْضًا إعْطَاءَ النَّصْرَانِيِّ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا، وَكَرِهَهُ اللَّيْثُ، قَالَ: فَإِنْ طُبِخَ لَحْمُهَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الذِّمِّيِّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيهِ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الْعَاشِرَةُ: إذَا اشْتَرَى شَاةً وَنَوَاهَا أُضْحِيَّةً مَلَكَهَا وَلَا تَصِيرُ أُضْحِيَّةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، بَلْ لَا يَلْزَمُهُ ذَبْحُهَا حَتَّى يَنْذُرَهُ بِالْقَوْلِ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: تَصِيرُ أُضْحِيَّةً وَيَلْزَمُهُ التَّضْحِيَةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا بِنِيَّةِ أَنْ يُعْتِقَهُ. فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: يُسْتَحَبُّ التَّضْحِيَةُ لِلْمُسَافِرِ كَالْحَاضِرِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أُضْحِيَّةَ عَلَى الْمُسَافِرِ. وَرَوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَعَنْ النَّخَعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: لَا تُشْرَعُ لِلْمُسَافِرِ بِمِنًى وَمَكَّةَ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ:"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِمِنًى فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:"ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ.