ج / 8 ص -236- فرع: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ مَعَ التَّسْمِيَةِ: اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك تَقَبَّلْ مِنِّي. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ.
وَلَوْ قَالَ: تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك وَمُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك صلى الله عليهما وسلم لَمْ يُكْرَهْ، وَلَمْ يُسْتَحَبَّ، كَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي"الْبَحْرِ"عَنْ الْأَصْحَابِ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ مَعَ التَّسْمِيَةِ فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَخْتَارُ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُكَبِّرَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَبَعْدَهَا ثَلَاثًا فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الذَّبَائِحِ وَعَلَى إرْسَالِ الْكَلْبِ وَالسَّهْمِ وَغَيْرِهِمَا إلَى الصَّيْدِ. مَذْهَبُنَا أَنَّهَا سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَطَاءٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: التَّسْمِيَةُ شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
وَعَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَوْلَانِ أصحهما: كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ والثاني: كَمَذْهَبِنَا وَعَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الصَّحِيحَةُ: عِنْدَهُمْ وَالْمَشْهُورَةُ عَنْهُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ، فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي صَيْدٍ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَالثَّانِيَةُ: كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثَةُ: إنْ تَرَكَهَا عَلَى إرْسَالِ السَّهْمِ نَاسِيًا أُكِلَ وَإِنْ تَرَكَهَا عَلَى الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ لَمْ يُؤْكَلْ، قَالَ: وَإِنْ تَرَكَهَا فِي ذَبِيحَةٍ سَهْوًا حَلَّتْ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد: لَا تَحِلُّ سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا. هَذَا نَقْلُ الْعَبْدَرِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَنَافِعٍ كَمَذْهَبِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: وَمِمَّنْ أَبَاحَ أَكْلَ مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَكَمُ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ لِمَنْ شَرَطَ التَّسْمِيَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] .
وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك"وَفِي رِوَايَةٍ:"فَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ"وَفِي رِوَايَةٍ:"إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ"وَفِي رِوَايَةٍ:"إذَا رَمَيْت سَهْمَك فَاذْكُرْ اللَّهَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ:"وَمَا صِدْت بِقَوْسِك فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكُلْ"وَفِي رِوَايَةٍ:"فَمَا صِدْت بِقَوْسِك فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ، وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ كُلْ".
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3] إلَى قوله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} فَأَبَاحَ الْمُذَكَّى، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّسْمِيَةَ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَكُونُ مُذَكًّى إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ قُلْنَا: الذَّكَاةُ فِي