ج / 8 ص -235- جَمَادٍ كَالصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ وَكَانَ فِعْلُهُ كُفْرًا كَمَنْ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى سَجْدَةَ عِبَادَةٍ، فَكَذَا لَوْ ذَبَحَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَأَمَّا إذَا ذَبَحَ لِغَيْرِهِ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ ضَحَّى أَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا لِكَوْنِهَا بَيْتَ اللَّهِ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ، فَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ حِلَّ الذَّبِيحَةِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ قَوْلُ الْقَائِلِ أَهْدَيْت لِلْحَرَمِ أَوْ الْكَعْبَةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الذَّبْحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ، لِأَنَّهُ اسْتِبْشَارٌ بِقُدُومِهِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلَادَةِ الْمَوْلُودِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَكَذَا السُّجُودُ لِلْغَيْرِ تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا.
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قَالَ الذَّابِحُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ أَذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ وَأَتَبَرَّكُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْرُمَ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَةَ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ يَصِحُّ نَفْيُ الْجَوَازِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ عَنْهُ. قَالَ: وَوَقَعَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَقِينَاهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ قَزْوِينَ فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ رَسُولِهِ هَلْ تَحْرُمُ ذَبِيحَتُهُ وَهَلْ يَكْفُرُ بِذَلِكَ؟ وَأَفْضَتْ تِلْكَ الْمُنَازَعَةُ إلَى فِتْنَةٍ، قَالَ: وَالصَّوَابُ مَا بَيَّنَّاهُ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَتْقَنَ رحمه الله هَذَا الْفَصْلَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ وَاخْتَارَهُ مَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَرُوذِيُّ فِي"تَعْلِيقِهِ"، قَالَ: حَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إذَا سَمَّى غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، قَالَ صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ": مَعْنَاهُ أَنْ يَذْبَحَهَا لَهُ، فَأَمَّا إنْ ذَكَرَ الْمَسِيحَ عَلَى مَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَائِزٌ، قَالَ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: تَحِلُّ مُطْلَقًا وَإِنْ سَمَّى الْمَسِيحَ1، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: مَنْ ذَبَحَ شَاةً وَقَالَ أَذْبَحُ لِرِضَاءِ فُلَانٍ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ لِلْجِنِّ وَقَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِيَصْرِفَ شَرَّهُمْ عَنْهُ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ قَصَدَ الذَّبْحَ لَهُمْ فَحَرَامٌ.
فرع: يُسْتَحَبُّ مَعَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الذَّبْحِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي"الْأُمِّ"، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي"التَّنْبِيهِ"وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَفِيهِ وَجْهٌ لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ. وَعَجَبٌ أَنَّ الْمُصَنِّفَ هُنَا كَيْفَ أَهْمَلَ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ شُهْرَتِهَا وَذِكْرَهُ إيَّاهَا فِي"التَّنْبِيهِ"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتَهَا، قَالُوا: وَلَا يُذْكَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهذا هو الوجه عندنا لأن الله تعالى قال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] وقال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] وقال في أهل الكتاب: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73] فيؤخذ من مجموع هذه الآيات إن الله حرم ما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق إلا ما كان من أهل الكتاب رغم شركهم وتثليثهم فقد استثنى ذبائحهم رغم أنهم يؤمنون بأن المسيح هو الله فإنما يسمى الله الذي يعتقده ويؤمن به وهو المسيح ابن مريم وقد علم الله منهم هذا ومع ذلك أحل ذبائحهم فيكون معنى الآيات مجتمعة مقيدًا لما ذهب إليه الحليمي وهو ما نفتي به إن شاء الله. (ط) .