ج / 8 ص -234- الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ بِدَلِيلِهِ، وَهُنَاكَ نَشْرَحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحْسَنُ إمْرَارُ السِّكِّينِ بِقُوَّةٍ وَتَحَامُلٍ ذَهَابًا وَعَوْدًا، لِيَكُونَ أَرْجَى وَأَسْهَلَ.
الثَّالِثَةُ: اسْتِقْبَالُ الذَّابِحِ الْقِبْلَةَ وَتَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَيْهَا، وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ ذَبِيحَةٍ، لَكِنَّهُ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ فِي الْعِبَادَاتِ مُسْتَحَبٌّ وَفِي بَعْضِهَا وَاجِبٌ، وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْجِيهِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الرَّافِعِيُّ أَصَحُّهَا: يُوَجِّهُ مَذْبَحَهَا إلَى الْقِبْلَةِ، وَلَا يُوَجِّهُ وَجْهَهَا لِيُمْكِنَهُ هُوَ أَيْضًا الِاسْتِقْبَالَ والثاني: يُوَجِّهُهَا بِجَمِيعِ بَدَنِهَا وَالثَّالِثُ: يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرَ الْبَعِيرَ قَائِمًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ مَعْقُولَ الرُّكْبَةِ وَإِلَّا فَبَارِكًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُضْجِعَ الْبَقَرَ وَالشَّاةَ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَصْحَابُ، قَالُوا وَيَتْرُكُ رِجْلَهَا الْيُمْنَى وَيَشُدُّ قَوَائِمَهَا الثَّلَاثَ.
الرَّابِعَةُ: التَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ وَإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ فَلَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ، لَكِنْ تَرْكُهَا عَمْدًا مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَهَلْ يَتَأَدَّى الِاسْتِحْبَابُ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ عَضِّ الْكَلْبِ وَإِصَابَةِ السَّهْمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: نَعَمْ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي كَمَالِ الِاسْتِحْبَابِ.
فَأَمَّا إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْإِرْسَالِ فَيُسْتَحَبُّ تَدَارُكُهَا عِنْدَ الْإِصَابَةِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ، يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَثْنَائِهِمَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الذَّابِحُ: بِاسْمِ مُحَمَّدٍ، وَلَا بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، بَلْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ الذَّبْحَ بِاسْمِهِ وَالْيَمِينَ بِاسْمِهِ، وَالسُّجُودَ لَهُ لَا يُشَارِكهُ فِي ذَلِكَ مَخْلُوقٌ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي"الْوَسِيطِ"أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ1 رَسُولِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مَا حَكَى فِي"الشَّامِلِ"وَغَيْرِهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَهَا بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ. وَفِي كِتَابِ الْقَاضِي ابْنِ كَجٍّ أَنَّ الْيَهُودِيَّ لَوْ ذَبَحَ لِمُوسَى أَوْ النَّصْرَانِيَّ لِعِيسَى صلى الله عليهما وسلم أَوْ لِلصَّلِيبِ حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ أَوْ ذَبَحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقْوَى أَنْ يُقَالَ: يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَخَرَّجَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهَا تَحِلُّ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَذْبَحُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْتَقِدُ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا يَعْتَقِدُهُ النَّصْرَانِيُّ فِي عِيسَى قَالُوا: وَإِذَا ذَبَحَ لِلصَّنَمِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمِ الْمَرْوَرُوذِيِّ أَنَّ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ أَفْتَى أَهْلُ نَجْرَانَ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّبْحَ لِلْمَعْبُودِ وَبِاسْمِهِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ السُّجُودِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، الَّذِي هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ فَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأولى المقول بعدم جوازها جعل محمد معطوف على إسم الجلالة مجرور والأخرى جعل محمد مرفوع على الابتداء، فتكون محمد رسول الله جملة خبرية منفصلة عن التسمية، هذا هو مراد الغزالي. (ط) .