ج / 8 ص -237- اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ وَقَدْ وُجِدَا، وَأَيْضًا قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائد: 5] فَأَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ التَّسْمِيَةَ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهُمْ قَالُوا:"يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمَنَا حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَ بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا فَنَأْكُلُ مِنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَمُّوا وَكُلُوا"حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ"، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كُلِّهَا، فَإِسْنَادُ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَإِسْنَادُ أَبِي دَاوُد عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"سَمُّوا وَكُلُوا"هَذِهِ التَّسْمِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ عِنْدَ أَكْلِ كُلِّ طَعَامٍ وَشُرْبِ كُلِّ شَرَابٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَحَادِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:"جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اسْمُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"فَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْكَرٌ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَهَذَا حَدِيثُ الصَّلْتِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ"فَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد فِي"الْمَرَاسِيلِ"وَالْبَيْهَقِيُّ.
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْأَوَّلُونَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِفَاسِقٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَاتِ مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَأَجَابَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ أَنَّ ذِكْرَ التَّسْمِيَةِ لِلنَّدْبِ وَجَوَابٌ: آخَرُ عَنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك"أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْمِيَةِ الْإِرْسَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مَسَائِلَ مِمَّا سَبَقَ.
يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا أَنْ يَقُولَ فِي ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ"اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك فَتَقَبَّلْ مِنِّي"وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. دَلِيلُنَا حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الذَّبْحِ فَمُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَنَا. وَكَرِهَهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِذَا نُحِرَ الْهَدْيُ أَوْ الْأُضْحِيَّةُ نُظِرْت فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا رضي الله عنه فَنَحَرَ مَا غَبَرَ""وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجَعَلَهَا فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا"وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] فَجَعَلَهَا لَنَا، وَمَا هُوَ لِلْإِنْسَانِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ، وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ أَكْلُهُ قَوْلَانِ، قَالَ فِي"الْقَدِيمِ": يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] فَجَعَلَهَا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَقَالَ فِي"الْجَدِيدِ": يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيُهْدِي الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَكُلُوا