ج / 8 ص -203- مِلْكَ الْفُقَرَاءِ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ فِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا لَوْ غَابَتْ عَادَتْ إلَى مِلْكِهِ وَالثَّالِثُ: يَتْبَعُهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً، فَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْهَدْيِ وَلَا الْأُضْحِيَّةِ فِيهِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قَالُوا: وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَإِذَا لَمْ يُطِقْ وَلَدُ الْهَدْيِ الْمَشْيَ حُمِلَ عَلَى أُمِّهِ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْحَرَمَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا ذَبَحَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ فِي أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَفِي تَفْرِقَةِ لَحْمِهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدها: لِكُلِّ وَاحِدٍ أُضْحِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَيَتَصَدَّقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُمَا ضَحِيَّتَانِ والثاني: يَكْفِي التَّصَدُّقُ مِنْ إحْدَاهُمَا لِأَنَّهُ بَعْضُهَا وَالثَّالِثُ: لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ مِنْ الْأُمِّ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ، وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَشْتَرِكُ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ فِي جَوَازِ أَكْلِ جَمِيعِ الْوَلَدِ أَمَّا إذَا ذَبَحَهَا فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ وَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ بَعْضُهَا، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ أَنَّ الْحَمْلَ لَهُ حُكْمٌ وَقِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا؟ إنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ بَعْضُ كَبِدِهَا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ طَرْدُ الْخِلَافِ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْهَا وَالْأَصَحُّ: عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِهِ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: إذَا كَانَ لَبَنُ الْهَدْيِ أَوْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَيْنِ قَدْرَ كِفَايَةِ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ حَلْبُ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ حَلَبَ فَنَقَصَ الْوَلَدُ بِسَبَبِهِ لَزِمَهُ 1 وَإِنْ فَضَلَ عَنْ رَيِّ الْوَلَدِ حَلَبَ الْفَاضِلَ. ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ: لَهُ شُرْبُهُ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَقْلُهُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَخْلِفُهُ بِخِلَافِ الْوَلَدِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ، بَلْ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ. وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْوَجْهَ الْقَفَّالُ وَصَاحِبُهُ الْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ لَمْ نُجَوِّزْ أَكْلَ لَحْمِ الْهَدْيِ لَمْ يَجُزْ شُرْبُ لَبَنِهِ، بَلْ يَجِبُ نَقْلُهُ إلَى مَكَّةَ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ تَجْفِيفُهُ وَنَقْلُهُ جَافًّا، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي مَوْضِعِ الْحَلْبِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا أَكْلَ لَحْمِهِ جَازَ شُرْبُهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ الْمَذْهَبُ: مِنْهَا الْقَطْعُ بِجَوَازِ شُرْبِ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَةِ الْوَلَدِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ"الْأَوْسَطِ"وَفِي غَيْرِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَوْ تَصَدَّقَ لَكَانَ أَفْضَلَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَحَيْثُ جَازَ شُرْبُهُ جَازَ أَنْ يَسْقِيَهُ لِغَيْرِهِ بِلَا عِوَضٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ كَانَ حُكْمُ لَبَنِهِ حُكْمَ الزَّائِدِ عَلَى حَاجَةِ الْوَلَدِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ فِي بَقَاءِ صُوفِ الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ مَصْلَحَةٌ لِدَفْعِ ضَرَرِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، أَوْ كَانَ وَقْتُ ذَبْحِهِ قَرِيبًا وَلَمْ يَضُرَّهُ بَقَاؤُهُ لَمْ يُجْزِهِ جَزُّهُ وَإِنْ كَانَ فِي جَزِّهِ مَصْلَحَةٌ بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ2 الذَّبْحِ بَعْدَ جَزِّهِ وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، هَكَذَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَسْتَصْحِبُ الصُّوفَ إلَى الْحَرَمِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ هُنَاكَ عَلَى الْمَسَاكِينِ كَالْوَلَدِ، وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِأَنْ لَا يَجُزَّ الصُّوفَ مُطْلَقًا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل ولعل العبارة"لزمه ضمان النقصان".
2 لعله يريد (في وقت يسهل الذبح بعد جزه) (ط) .