ج / 8 ص -202- الْقِيمَةِ مِثْلَ التَّالِفِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَسِنًّا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْقِيمَةِ الْمِثْلَ لِغَلَاءٍ حَدَثَ لَزِمَهُ أَنْ يَضُمَّ مِنْ مَالِهِ إلَيْهَا تَمَامَ الثَّمَنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: يَضْمَنُ مَا بَاعَهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِثْلِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ لِرُخْصٍ حَدَثَ لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَفِيمَا يَفْعَلُ بِالزِّيَادَةِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ مَعَ تَمَامِ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إنْ اشْتَرَى الْمِثْلَ بِعَيْنِ الْقِيمَةِ صَارَ الْمُشْتَرَى ضَحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَنَوَى عِنْدَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا ضَحِيَّةٌ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلْيَجْعَلْهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ ضَحِيَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَيْنِ لِأَنَّهَا بَيْعٌ لِلْمَنَافِعِ، وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا. وَيَجُوزُ إعَارَتُهَا لِأَنَّهَا إرْفَاقٌ كَمَا يَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِهَا، فَلْو خَالَفَ وَأَجَّرَهَا فَرَكِبَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهَا وَالْمُسْتَأْجِرُ الْأُجْرَةَ، وَفِي قَدْرِهَا وَجْهَانِ أصحهما: أُجْرَةُ الْمِثْلِ والثاني: الْأَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى. ثُمَّ فِي مَصْرِفِهَا وَجْهَانِ أحدهما: الْفُقَرَاءُ فَقَطْ وَأَصَحُّهُمَا: مَصْرِفِ الضَّحَايَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ رُكُوبُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَيْنِ وَيَجُوزُ إرْكَابُهَا بِالْعَارِيَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا لِذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الرُّكُوبِ وَالْإِرْكَابِ وَالْحَمْلِ أَنْ يَكُونَ مُطِيقًا لِذَلِكَ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ الرُّكُوبُ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ إلَّا لِحَاجَةٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ"وَآخَرُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَرْكَبُ الْهَدْيَ إذَا اضْطَرَّ إلَيْهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَجُوزُ بِلَا ضَرُورَةٍ مَا لَمْ يُهْزِلْهَا. وَأَمَّا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْكَبَ الْهَدْيُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى رُكُوبِهِ رَكِبَهُ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ. وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: لَا يَجُوزُ رُكُوبُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَوْسَطُ لَيْسَ لَهُ رُكُوبُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَلَهُ حَمْلُ الْمُضْطَرِّ وَالْمَعْيِيِّ1 قَالَ: وَقَالَ الْقَفَّالُ: هَلْ يَجُوزُ الرُّكُوبُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: لَهُ الرُّكُوبُ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْهَدْيَ، سَوَاءٌ كَانَ ضَرُورَةً أَمْ لَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا مَعَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا رَكِبَهَا حَيْثُ أَذِنَّا لَهُ فَنَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَ النُّقْصَانَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا وَلَدَ الْهَدْيُ أَوْ الْأُضْحِيَّةُ الْمُتَطَوَّعَةُ بِهِمَا فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لَهُ كَالْأُمِّ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ كَالْأُمِّ. وَلَوْ وَلَدَتْ الَّتِي عَيَّنَهَا ابْتِدَاءً بِالنَّذْرِ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً تَبِعَهَا وَلَدُهَا بِلَا خِلَافٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ النَّذْرِ أَوْ حَدَثَ الْحَمْلُ بَعْدَهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَقِيَ حُكْمُ الْوَلَدِ كَمَا كَانَ، وَيَجِبُ ذَبْحُهُ فِي وَقْتِ ذَبْحِ الْأُمِّ، وَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْهَدْيِ فِيهِ بِمَوْتِ أُمِّهِ، كَمَا لَا يُرْفَعُ حُكْمُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَوْتِهَا. وَلَوْ عَيَّنَهَا بِالنَّذْرِ عَمَّا كَانَ الْتَزَمَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ: أَنَّ حُكْمَ وَلَدِهَا حُكْمُهَا كَوَلَدِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّذْرِ ابْتِدَاءً والثاني: لَا يَتْبَعُهَا، بَلْ هُوَ مِلْكُ الْمُضَحِّي وَالْمُهْدِي، لِأَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 اسم فاعل من أعيا الماشي أي كل وهو هنا فعل لازم، ويأتي متعديًا في نحو أعياه السير. (المطيعي) .