ج / 8 ص -194- الْقَوْلَيْنِ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا دَمَ، هَذَا إذَا أَطْلَقَ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، أَمَّا إذَا قَالَ: أَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ لَزِمَهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَالَ: أَتَحَلَّلُ بِلَا هَدْيٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَصَوْمِهِ وَقَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِمَا هُوَ. مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُؤَدَّاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَوْ مَقْضِيَّةٍ أَوْ صَوْمٌ وَاجِبٌ بِقَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ الْخُرُوجُ بِلَا عُذْرٍ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ، وَفِي آخِرِ بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَآخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: إذَا أَحْرَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَبْطُلُ إحْرَامُهُ، لِأَنَّهُ إذَا أَبْطَلَ الْإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ فَلَأَنْ يَبْطُلَ الْإِحْرَامُ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ أَوْلَى والثاني: لَا يَبْطُلُ كَمَا لَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ، فَعَلَى هَذَا إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ بَنَى عَلَيْهِ.
الشرح: قَوْلُهُ:"فَلَأَنْ يَبْطُلَ الْإِحْرَامُ"وَهُوَ فَرْعٌ يُنْتَقَضُ بِالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ فَرْعٌ وَلَا يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ أصحهما: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَبْطُلُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ آخَرَانِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ فُرُوعِهَا فِي بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فِي مَسَائِلِ إفْسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ: فِي مَسَائِلَ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِحْصَارِ.
منها: الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَهُ التَّحَلُّلُ إذَا أَحْصَرَهُ عَدُوٌّ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَهُوَ شَاةٌ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ. وَعَنْ مَالِكٍ لَا دَمَ عَلَيْهِ دَلِيلُنَا قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَتَقْرِيرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فَلَكُمْ التَّحَلُّلُ، وَعَلَيْكُمْ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .
فرع: إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَأُحْصِرَ فَلَهُ التَّحَلُّلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِأَنَّهَا تَفُوتُ، دَلِيلُنَا قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} وَنَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ أَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ، فَتَحَلَّلُوا وَذَبَحُوا الْهَدَايَا، وَحَدِيثُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ.
فرع: يَجُوزُ عِنْدَنَا التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ، سَوَاءٌ أُحْصِرَ عَنْ الْكَعْبَةِ فَقَطْ أَوْ عَنْ عَرَفَاتٍ فَقَطْ أَوْ عَنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَتَحَلَّلُ بِالْإِحْصَارِ بَعْدَ الْوُقُوفِ، فَإِنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَعَرَفَاتٍ تَحَلَّلَ، وَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ، دَلِيلُنَا قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} الْآيَةُ وَلَمْ يُفَرِّقْ.
فرع: ذَبْحُ هَدْيِ الْإِحْصَارِ حَيْثُ أُحْصِرَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ، قَالَ: وَيَجُوزُ قَبْلَ النَّحْرِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:"نَحَرَ هَدْيَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ خَارِجُ الْحَرَمِ".