ج / 8 ص -186- الْأَصَحُّ: لَا يَلْزَمُهُ فَيَلْزَمُهُ النِّيَّةُ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَغَلِطَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ الْقَائِلُ بِوُجُوبِ الدَّمِ. قَالَ الْبَغَوِيّ: وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا. وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا عُذْرٍ بِأَنْ قَالَ فِي إحْرَامِهِ مَتَى شِئْت خَرَجْت مِنْهُ، أَوْ إنْ نَدِمْت أَوْ كَسِلْت وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ. وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا صَحَّحْنَا اشْتِرَاطَ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّمَا يَنْفَعُ الشَّرْطُ وَيَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِهِ إذَا كَانَ مُقْتَرِنًا بِإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَقَدَّمَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَمْ يَنْعَقِدْ الشَّرْطُ بِلَا خِلَافٍ. وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
فرع: إذَا فَرَضَ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ قَالَ أَصْحَابُنَا: يَنْعَقِدُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ أَمْ لَا.
فرع: مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا لِجَوَازِ اشْتِرَاطِ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ وَصِحَّةِ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ صَحَّ الشَّرْطُ وَجَازَ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِذَلِكَ الْعُذْرِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ تَأَوَّلَ حَدِيثَ ضُبَاعَةَ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ"مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي بِالْمَوْتِ"وَذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، وَتَأَوَّلَهُ الرُّويَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِضُبَاعَةَ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ أَيْضًا وَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَالَ: لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَمْ أَعْدُهُ، وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ وَلَمْ يَخُصَّهُ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: التَّحَلُّلُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ إذَا مَا صَحَّحْنَاهُ لَهُ حُكْمَ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ تَطَوُّعًا لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ.
فرع: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي"الْوَسِيطِ": قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِضُبَاعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ:"اشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي"وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ، فَلَيْسَ ضُبَاعَةُ أَسْلَمِيَّةً بَلْ هِيَ هَاشِمِيَّةٌ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا عَنْ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى جَازَ لِلْمَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَهُ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ مَالًا وَقُلْنَا: إنَّهُ يَمْلِكُ تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ وَإِنْ لَمْ نُمَلِّكْهُ أَوْ مَلَّكَهُ - وَقُلْنَا إنَّهُ لَا يَمْلِكُ - فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، وَهَلْ يَتَحَلَّلُ قَبْلَ الْهَدْيِ أَوْ الصَّوْمِ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحُرِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَحَلَّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ عَلَى الْمَوْلَى ضَرَرًا فِي بَقَائِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فِي قَتْلِ صَيْدٍ أَوْ إصْلَاحِ طَيِّبٍ وَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ الْمَوْلَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَلِّلَهُ، لِأَنَّ لَازِمَ عَقْدِهِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَلَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهُ مِنْهُ كَالنِّكَاحِ.