ج / 8 ص -185- قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَضَلَالِ الطَّرِيقِ، وَفَرَاغِ النَّفَقَةِ وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ حُكْمُ اشْتِرَاطِ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ. فَيَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ: قَالُوا: بِأَنَّ كُلَّ مُهِمٍّ يَحِلُّ مَحَلَّ الْمَرَضِ الثَّقِيلِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَرَضِ قَالَ: وَكَانَ شَيْخِي يَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَاغٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ عَلَى الْقَوْلِ إلَّا بِالْمَرَضِ لِلْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ فَتَحَلَّلَ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ أحدهما: يَلْزَمُهُ كَالْمُحْصَرِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَصَحَّحُوهُ، وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ جَزْمُهُمَا بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ النُّسُكِ. وأما: الْمُحْصَرُ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْعَالَ الَّتِي كَانَ يَقْتَضِيهَا إحْرَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ شَرْطِ الْمَرَضِ. فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ خِلَافٍ ضَعِيفٍ فِيهِ. وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْته عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إنْ مَرِضْت وَفَاتَنِي الْحَجُّ كَانَ عُمْرَةً، كَانَ عَلَى مَا شَرَطَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا وَجَدَ الْمَرَضَ هَلْ يَصِيرُ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ؟ أَمْ يُشْتَرَطُ إنْشَاؤُهُ كَالْمُحْصَرِ؟ يَنْظُرُ إنْ قَالَ: إنْ مَرِضْت تَحَلَّلْت مِنْ إحْرَامِي فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إذَا وَجَدَ الْمَرَضَ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ وَيَحْلِقَ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَيَذْبَحَ إنْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي"تَعْلِيقِهِ"وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ. قَالُوا: وَكَذَا لَوْ قَالَ: مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتنِي، لَا يَتَحَلَّلُ عِنْدَ الْحَبْسِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَوْ قَالَ: إنْ مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي مَرَضٌ فَأَنَا حَلَالٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ أصحهما: يَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَنَقَلُوهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَصَحَّحُوهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ: لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ إلَّا عَلَى هَذَا، وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْبَيْهَقِيُّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ التَّحَلُّلِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّمُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ