ج / 8 ص -184- رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ لَمْ يُنْكِرْهُ، كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ."
وأما: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ"لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ"فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي"الْمُوَطَّأِ"وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:"مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ"يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ أَرَادَ مُطْلَقًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَرِيبًا، وَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَوْلِهِ.
وأما: حَدِيثُ عِكْرِمَةَ قَالَ:"سَمِعْت الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: صَدَقَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ حَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ بَعْدَ فَوَاتِهِ بِمَا يَحِلُّ بِهِ مَنْ يَفُوتُهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ مَرَضٍ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا مَرِضَ الْمُحْرِمُ، وَلَمْ يَكُنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِلَا خِلَافٍ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْآثَارِ، قَالُوا: بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأَ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ أَتَمَّهَا، وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَأَمَّا إذَا شَرَطَ فِي إحْرَامِهِ أَنَّهُ إنْ مَرِضَ تَحَلَّلَ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي"الْقَدِيمِ"عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ، لِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ، وَنَصَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الْجَدِيدِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ ضُبَاعَةَ مُرْسَلًا فَقَالَ:"عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِضُبَاعَةَ"الْحَدِيثَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ لَمْ أَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ فِيهِ هَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وأما: الْأَصْحَابُ فَلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَشْهَرُهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ فِي قَوْلِهِ:"الْقَدِيمِ"، وَفِي"الْجَدِيدِ"قَوْلَانِ أصحهما: الصِّحَّةُ والثاني: الْمَنْعُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ: يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ قَوْلًا وَاحِدًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِي نَصِّهِ الَّذِي حَكَيْته الْآنَ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ:"لَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُرْوَةَ لَمْ أَعْدُهُ"فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ الِاشْتِرَاطِ لِلْأَحَادِيثِ.
وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَيْثُ حَبَسْتنِي بِالْمَوْتِ، مَعْنَاهُ حَيْثُ أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاةُ أَقْطَعُ إحْرَامِي، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَعَجَبٌ مِنْ جَلَالَةِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَيْفَ قَالَ هَذَا؟ وَكَيْفَ حُكْمُهُ عَلَى أَمْرِهَا بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَوْتِ قَاطِعَ الْإِحْرَامِ؟! وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.