فهرس الكتاب

الصفحة 2862 من 4102

ج / 8 ص -174- الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ فَلَهُمْ التَّحَلُّلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصا صريحًا في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم والثاني: الذين قالوا: الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلًا بسبب المرض أو بسبب العدو وعلى هذا القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضًا لأن الله تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار، فوجب أن يكون الحكم ثابتًا عند حصول الإحصار، سواء حصل بالعدو أو بالمرض وأما على القول الثالث هو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج، وهذا قياس جلي ظاهر، فهذا تقدير قول أبي حنيفة رضي الله عنه وهو ظاهر قوي.

وأما تقرير مذهب الشافعي رضي الله عنه فهو أنا ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط والروايات المنقولة عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر ولا شك أن قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل.

الحجج المؤيدة لقول الشافعي رضي الله عنه

الحجة الأولى: أن الإحصار أفعال من الحصر والأفعال تارة تجىء بمعنى التعدية نحو ذهب زيد وأذهبته أنا ويجىء بمعنى صار ذا كذا نحو أعد البعير إذا صار ذا غدة وأجرب الرجل إذا صار ذا إبل جريى، ويجيء بمعنى وجدته بصيغة كذا نحو أحمدت الرجل أي وجدته محمودًا، وإلاحصار لا يمكن أن يكون للتعدية فوجب بما حمله على الصيرورة أو على الوجدان، والمعنى أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين، ثم إن أهل اللغة اتفقوا على أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض فوجب أن يكون معنى الإحصار هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو أو وجدوا محصورين بالعدو وذلك يؤكد مذهبنا.

الحجة الثانية: أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان أنه ممنوع من فعله ومحبوس عن مراده إذا كان قادرًا على ذلك الفعل متمكنًا منه ثم أنه منعه مانع عنه، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج وسلامة الأعضاء وذلك مفقود في حق المريض فهو غير قادر البتة على الفعل فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع لأن إحالة الحكم على المانع تستدعى حصول القتضى أما إذا كان ممنوعًا بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة إلا أنه تعذر الفعل مدافعة العدو في المرض.

الحجة الثالث: أن معنى قوله: أحصرتم أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد له من حابس والمنع لا بد له من مانع ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ومانعا لأن الحبس والمنع فعل وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلًا، لأن المرض عرض لايبقى زمانين فيكف يكون فاعلًا وحابسًا ومانعًا أما وصف العدو بأنه حابس ومانع فوصف حقيقي وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه.

الحجة الرابعة: أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض فلفظ الإحصار وجب أن يكون خاليًا عن الإشعار بالمرض قاسيًا على جميع الألفاظ المشتقة.

الحجة الخامسة: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة: 196] فعطف عليه المريض، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المريض داخلا فيه لكان هذا عطفا للشيء على نفسه. فإن قيل: أنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكمًا خاصًا وهو حلق الرأس فصار تقدير الغرض إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه. أما إذا لم يكن المحصر مفسرًا بالمريض لم يلزم عطف الشيء على نفسه فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال فكان ذلك أولى. الحجة السادسة: قال تعالى في آخر الآية: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض فإنه يقال في المرض شفي وعفي ولا يقال: أمن. فإن =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت