فهرس الكتاب

الصفحة 2863 من 4102

ج / 8 ص -175- مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا فَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ فَلَعَلَّهُ يَزُولُ الْمَنْعُ وَيَتِمُّ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْحَجِّ.

وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ التَّحَلُّلُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ بِلَا خِلَافٍ، وَدَلِيلُ التَّحَلُّلِ وَإِحْصَارِ الْعَدُوِّ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي تَحَلُّلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا مَنَعُوا وَطُلِبَ مِنْهُمْ مَالٌ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ الْمُضِيُّ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَلَهُمْ التَّحَلُّلُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ بَذْلُهُ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ قَلَّ الْمَطْلُوبُ أَمْ كَثُرَ، فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ كُفَّارًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: كُرِهَ ذَلِكَ وَلَا يَحْرُمُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَمَا لَا تَحْرُمُ الْهِبَةُ لِلْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.

وَأَمَّا إذَا احْتَاجَ الْحَجِيجُ إلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ لِيَسِيرُوا فَيُنْظَرُ - إنْ كَانَ الْمَانِعُونَ مُسْلِمِينَ - جَازَ لَهُمْ التَّحَلُّلُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِتَالِهِمْ لِتَعْظِيمِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَاتَلُوهُ جَازَ لِأَنَّهُمْ صَائِلُونَ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ"وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ:"وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ".

وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ كُفَّارًا فَوَجْهَانِ أحدهما: وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُمْ، وَإِلَّا وَجَبَ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِمُرْضٍ، بَلْ شَرْطُهُ وُجْدَانُهُمْ السِّلَاحَ وَأُهْبَةُ الْقِتَالِ قَالَ: فَإِنْ وَجَدُوا ذَلِكَ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّحَلُّلِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= قيل: لايسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف فإنه يقال: أمن المريض من الهلاك وأيضًا خصوص آخر الآية لا يقدم في عموم أولها. قلنا: لفظ الأمن إذا كان مطلقًا غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها. قلنا: بل يوجب لأن قوله فإذا أمنتم ليس فيه بيان أنه حصل الأمن فماذا؟ فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من الشيء تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو الإحصار فصار التقدير: فإذا أمنتم من ذلك الإحصار، لما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو وجب أن يكون المراد من هذا الإحصار منع العدو فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط أما قول من قال: إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل، وفيه دليل آخر وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية والناس وإن أختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن ذلك السبب خارجًا عنه فلو كان الإحصا اسما لمنع المرض لكان سبب نزول الآية خارجا عنها وذلك باطل بالإجماع، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو وإذا ثبت هذا فنقول لا يمكن قياس منع المرض عليه وبيانه من وجهين الأول: أن كلمة إن شرط عند أهل اللغة وحكم الشرط انتفاء المشروط عند انتفائه ظاهرًا فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه، فلو أثبتنا هذا الحكم في غيره قياسًا كان ذلك نسخًا للنص بالقياس وهو غير جائز والوجه الثاني: أن الإحرام شرع لازم لا يحنمل النسخ قصدًا ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام فإذا رجع قد تخلص من خوف القتل فهذا ما عدني في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير. هكذا أفاده في"مفاتيح الغيب" (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت