فهرس الكتاب

الصفحة 2680 من 4102

ج / 7 ص -288- [البقرة: 127] الْآيَةَ، الثَّالِثَةُ: بَنَتْهَا قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَضَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْبِنَاءَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، ثَبَتَ ذَلِكَ في"الصحيحين"، وَكَانَ لَهُ صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ، الرابعة: بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ ذَلِكَ في"الصحيحين"، الْخَامِسَةُ: بَنَاهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ، وَاسْتَقَرَّ بِنَاؤُهَا الَّذِي بَنَاهُ الْحَجَّاجُ إلَى الْآنَ، وَقِيلَ: إنَّهَا بُنِيَتْ مَرَّتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ"الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ"، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"تعليقه"فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ افْتِتَاحِ الطَّوَافِ بِالِاسْتِلَامِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ الْكَعْبَةُ عَلَى حَالِهَا فَلَا تُهْدَمُ؛ لِأَنَّ هَدْمَهَا يُذْهِبُ حُرْمَتَهَا، وَيَصِيرُ كَالتَّلَاعُبِ بِهَا، فَلَا يُرِيدُونَ بِتَغْيِيرِهَا إلَّا هَدْمَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَحْبَبْنَا تَرْكَهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَقَطْعُ شَجَرِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ"فَإِنْ قَتَلَ فِيهَا صَيْدًا فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْقَدِيمِ: يُسْلَبُ الْقَاتِلُ لِمَا رُوِيَ"أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أَخَذَ سَلَبَ رَجُلٍ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْمَدِينَةِ وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَقْتُلُ صَيْدًا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَاسْلُبُوهُ"وَقَالَ في"الجديد": لَا يُسْلَبُ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= الله بأن يقبله منه، فأذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده.

المسألة الرابعة: إنما قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127] ولم يقل يرفع الله تعالى حكى عنها بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء.

النوع الأول: في قوله: {تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: {تَقَبَّلْ مِنَّا} فقال المتكلمون: كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه، فشبه الفعل من العبد بالعطية والرضا من الله تعالى بالقبول توسعًا، وقال العارفون: فرق بين القبول والتقبل، فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل، فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل، واعتراف بالعجز والانكسار، وأيضا فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه، لأن كون الفعل واقعا موقع القبول من المخدم عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه. المسألة الثانية: أنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرن بالأخلاص واجبا على الله تعالى لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول: يا إلهي إجعل النار حارة والجمد باردا بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند التكلم في صيرورة الناس حال بقائها على صورتها في الإشراق، والاشتعال باردة والجمد حال بقائه على صورته في الانجماد والبياض حارًا، ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله أصلا. المسألة الثالثة: أنه إنما عقب هذا الدعاء بقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] كأنه يقول: تسمع دعاءنا وتضرعنا وتعلم ما قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك.

فإن قيل: قوله: إنك أنت السميع العليم يفيد الحصر وليس الأمر كذلك فإن غيره قد يكون سميعًا. قلنا: أنه سبحان لكماله في هذه الصفة يكون كأنه المختص بها دون غيره والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت