ج / 7 ص -239- وأما: احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ دَعْوَى لَا أَصْلَ لَهَا، فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَادَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ فِي الزَّكَاةِ، فَجَعَلَ الْجُبْرَانَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي زَمَنٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَا يَلْزَمُ اعْتِمَادُ هَذَا فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ"التتمة"عَلَى الْأَصْحَابِ قَوْلَهُمْ: إنَّ الشَّاةَ كَانَتْ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ لِأَوْجُهٍ:
أحدها: أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُصَارُ فِيهِ إلَى التَّقْوِيمِ فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ لَا تُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ، بَلْ يُصْرَفُ الطَّعَامُ، وَهُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ فِي الطَّعَامِ.
والثاني أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْقِيمَةِ بِالْوَقْتِ لَا بِمَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ بِقِيمَةِ الْوَقْتِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ ثُلُثُ قِيمَةِ شَاةٍ.
الثالث: أَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَ بَيْنَ الشَّاةِ وَالطَّعَامِ، وَالطَّعَامُ يَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالَ صَاحِبُ"التتمة": وَأَمَّا تَوْجِيهُ الْقَوْلِ بِأَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدًّا بِأَنَّ الشَّرْعَ عَدَلَ الْحَيَوَانَ بِالطَّعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ، وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ فِي الشَّرْعِ لِلْفَقِيرِ فِي الْكَفَّارَاتِ مُدٌّ، وَالشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْقِلَّةِ، فَأَوْجَبْنَا فِي مُقَابَلَتِهَا أَقَلَّ مَا يُوَجِّبُ فِدْيَةً فِي الشَّرْعِ، فَهَذَا التَّوْجِيهُ فِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّعَامِ فَقَدْ قَابَلَ الشَّرْعُ الشَّاةَ فِي فِدْيَةِ الْحَلْقِ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ، وَالْآصُعُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّقْسِيطَ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ فِي مُقَابِلَةِ الشَّعْرَةِ صَاعٌ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ يَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ ثُلُثُ دِرْهَمٍ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ. قَالَ: وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ ثُلُثِ شَاةٍ وَبَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، كَمَا يَتَخَيَّرُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ بَيْنَ شَاةٍ وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِطْعَامِ ثَلَاثَةٍ آصُعٍ، قَالَ: وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ إشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ فِيمَا لَوْ جَرَحَ ظَبْيَةً فَنَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهَا أَنَّ عَلَيْهِ عُشْرَ ثَمَنِ شَاةٍ وَمَا أَوْجَبَهُ عُشْرَ شَاةٍ، قَالَ: فَالْقِيَاسُ يَلْزَمُهُ صَاعٌ أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ. هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ"التتمة"، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَوْجِيهِ إيجَابِ مُدٍّ فِي الشَّعْرَةِ: هَذَا الْقَوْلُ مَشْهُورٌ مُعْتَضِدٌ بِآثَارِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَرْجُوعٌ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ الْيَوْمَ الْوَاحِدَ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ يُقَابَلُ بِمُدٍّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِكَمَالِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَإِنْ حَلَقَ دُونَهُ فَلَا شَيْءَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَالصَّدَقَةُ عِنْدَهُ صَاعٌ مِنْ أَيِّ طَعَامٍ شَاءَ إلَّا الْبُرَّ، فَيَكْفِيهِ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ حَلَقَ النِّصْفَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا أَمَاطَ بِهِ عَنْهُ الْأَذَى وَجَبَ الدَّمُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحداهما: كَقَوْلِنَا وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ بِأَرْبَعِ شَعَرَاتٍ. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا يَحْصُلُ بِهَا إمَاطَةُ الْأَذَى. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ كَمَا يَقُولُ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَإِنَّمَا رَأَى بَعْضَهُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ} [البقرة: 196] أَيْ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ، وَالشَّعْرُ اسْمُ جِنْسٍ، أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَى ثَلَاثٍ.