ج / 1 ص -134- الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ"، فَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ النَّارَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ. وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ صَحَّ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا يَخْتَصُّ بِالطَّهَارَةِ فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ فِي اسْتِعْمَالِ الظَّرْفِ دُونَ مَا فِيهِ، فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ حَرَامًا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِ الظَّرْفِ دُونَ مَا فِيهِ. وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ الِاتِّخَاذِ. وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ كَالطُّنْبُورِ وَالْبَرْبَطِ. وَأَمَّا أَوَانِي الْبَلُّورِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْأَجْنَاسِ الْمُثَمَّنَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: رَوَى حَرْمَلَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي السَّرَفِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَهُوَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى، وَرَوَى الْمُزَنِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ السَّرَفَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ مِنْ النَّاسِ".
الشرح:قَدْ جَمَعَ هَذَا الْفصل: جُمَلًا مِنْ الْحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ وَيَحْصُلُ بَيَانُهَا بِمَسَائِلَ: إحداها: حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي"الصحيحين"لَكِنَّ لَفْظَهُ فِيهِمَا:"لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"إلَخْ فَذَكَرَ فِيهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ"المهذب"الْفِضَّةُ فَقَطْ، وَفِي بَعْضِهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمَّا الصِّحَافُ فَجَمْعُ صَحْفَةٍ كَقَصْعَةٍ وَقِصَاعٍ وَالصَّحْفَةُ دُونَ الْقَصْعَةِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَصْعَةُ مَا تَسَعُ مَا يُشْبِعُ عَشْرَةً، وَالصَّحْفَةُ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةً. وَأَمَّا رَاوِيهِ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَالْيَمَانُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ حُسَيْلٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ لَامٌ، وَيُقَالُ: حِسْلٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ، وَالْيَمَانُ صَحَابِيٌّ شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ حُذَيْفَةُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ الْيَمَانَ رضي الله عنه خَطَأً، وَكَانَ حُذَيْفَةُ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَالْخِصِّيصِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُوُفِّيَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، بَعْدَ وَفَاةِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ"فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها وَلَفْظُهُ فِيهِمَا:"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ"، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:"إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ"، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ:"مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ". وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم يُجَرْجِرُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَنَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ النَّارَ فَاعِلَةٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الزَّجَّاجُ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ غَيْرَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ وَفِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"الَّذِي يَشْرَبُ فِي الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارًا"كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ نَارًا بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جَهَنَّمَ.
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ الْفَاعِلُ هُوَ الشَّارِبُ مُضْمَرٌ فِي يُجَرْجِرُ، أَيْ يُلْقِيهَا فِي بَطْنِهِ بِجَرْعٍ مُتَتَابِعٍ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي حَلْقِهِ، وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ تَكُونُ النَّارُ فَاعِلَةً، مَعْنَاهُ أَنَّ النَّارَ تُصَوِّتُ فِي جَوْفِهِ، وَسُمِّيَ الْمَشْرُوبُ نَارًا لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَيْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء:10] وَأَمَّا جَهَنَّمُ - عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ