ج / 1 ص -133- الشرح:مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَبْحِ مَا لَا يُؤْكَلُ شَعْرُهُ وَلَا جِلْدُهُ وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي طَهَارَةِ لَحْمِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ مَالِكٍ طَهَارَةَ الْجِلْدِ بِالذَّكَاةِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَا عَلَى نَجَاسَتِهِمَا، وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ"فَشُبِّهَ الدِّبَاغُ بِالذَّكَاةِ وَالدِّبَاغُ يُطَهِّرُهُ فَكَذَا الذَّكَاةُ؛ وَلِأَنَّهُ جِلْدٌ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَطَهُرَ بِالذَّكَاةِ كَالْمَأْكُولِ، وَلِأَنَّ مَا طَهَّرَ جِلْدَ الْمَأْكُولِ طَهَّرَ غَيْرَهُ كَالدِّبَاغِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ كِفَايَةٌ.
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا مُنْتَقَضٌ بِذَبْحِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ أَكْلَهَا وَيُفِيدُ طَهَارَتَهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّ أَكْلَهَا كَانَ مُبَاحًا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَارِضٍ وَهُوَ السُّمُّ حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِ السُّمِّ بِطَرِيقٍ أُبِيحَ الْأَكْلُ، وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ بِالذَّبْحِ أَكْلُ اللَّحْمِ، فَإِذَا لَمْ يُبِحْهُ هَذَا الذَّبْحُ فَلَأَنْ لَا يُبِيحَ طَهَارَةَ الْجِلْدِ أَوْلَى. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ:"دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ"- فَمِنْ أَوْجُهٍ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ: أحدها: أَنَّهُ عَامُّ فِي الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ فَنَخُصُّهُ بِالْمَأْكُولِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا.وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ. الثالث: ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْأَدِيمَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى جِلْدِ الْغَنَمِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ بِ"الإجماع"فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخْتَلِفِ فِيهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الدِّبَاغِ مِنْ وَجْهَيْنِ:أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدِّبَاغَ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الذَّكَاةُ، فَإِنَّهَا تَمْنَعُ عِنْدَهُمْ حُصُولَ نَجَاسَةٍ.وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّبَاغَ إحَالَةٌ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلٌ، بَلْ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَدْبَغَةِ انْدَبَغَ، بِخِلَافِ الذَّكَاةِ فَإِنَّهَا مُبِيحَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا فِعْلُ فَاعِلٍ بِصِفَةٍ فِي حَيَوَانٍ بِصِفَةٍ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لِأَخْذِ جِلْدِهِ وَلَا لِيَصْطَادَ عَلَى لَحْمِهِ النُّسُورَ وَالْعِقْبَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْحِمَارُ الزَّمِنُ وَالْبَغْلُ الْمُكَسَّرُ وَغَيْرُهُمَا، وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الْمسألة:الْقَاضِي حُسَيْنٌ ذَكَرَهَا فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ قُبَيْلَ كِتَابِ السَّلَمِ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةُ: يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِجِلْدِهِ، وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا عَنْهُ جَوَازُهُ. وَالثَّانِيَةُ تَحْرِيمُهُ، وَهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِهِ عِنْدَهُ.
فرع: اتَّخَذَ حَوْضًا مِنْ جِلْدٍ نَجِسٍ وَوَضَعَ فِيهِ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْمَاءِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَالْإِنَاءُ نَجِسٌ، وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ كَلَامٌ سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ فَنَجِسٌ، وَنَظِيرُهُ لَوْ وَلَغَ كَلْبٌ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ مَاءٌ طَاهِرٌ فِي إنَاءٍ نَجِسٍ، وَإِلَّا فَهُمَا نَجِسَانِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبَ فِي تَعْلِيقِهِ: وَلَا نَظِيرَ لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ"، وَهَلْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ ؟ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْقَدِيمِ:كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم":"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ"