ج / 1 ص -44- فِي الطَّرِيقِ كَلْبٌ فَزَجَرَهُ صَاحِبُهُ فَنَهَاهُ الشَّيْخُ، وَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الطَّرِيقَ بَيْنِي، وَبَيْنَهُ مُشْتَرَكٌ ؟ وَدَخَلَ يَوْمًا مَسْجِدًا لِيَأْكُلَ طَعَامًا عَلَى عَادَتِهِ فَنَسِيَ فِيهِ دِينَارًا، فَذَكَرَهُ فِي الطَّرِيقِ فَرَجَعَ فَوَجَدَهُ، فَفَكَّرَ سَاعَةً، وَقَالَ: رُبَّمَا، وَقَعَ هَذَا الدِّينَارُ مِنْ غَيْرِي، فَتَرَكَهُ، وَلَمْ يَمَسَّهُ، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إمَامَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُدَرِّسَ بِبَغْدَادَ فِي النِّظَامِيَّةِ، شَيْخَ الدَّهْرِ، وَإِمَامَ الْعَصْرِ، رَحَلَ إلَيْهِ النَّاسُ مِنْ الْأَمْصَارِ، وَقَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ، وَالْأَقْطَارِ، وَكَانَ يَجْرِي مَجْرَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ قَالَ: وَكَانَ زَاهِدًا، وَرِعًا مُتَوَاضِعًا، مُتَخَلِّقًا ظَرِيفًا كَرِيمًا سَخِيًّا جَوَّادًا طَلْقَ الْوَجْهِ دَائِمَ الْبِشْرِ، حَسَنَ الْمُجَالَسَةِ، مَلِيحَ الْمُحَاوَرَةِ، وَكَانَ يَحْكِي الْحِكَايَاتِ الْحَسَنَةَ، وَالْأَشْعَارَ الْمُسْتَبْدَعَةَ الْمَلِيحَةَ، وَكَانَ يَحْفَظُ مِنْهَا كَثِيرًا، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْفَصَاحَةِ.
وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ أَيْضًا: تَفَرَّدَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ بِالْعِلْمِ الْوَافِرِ، كَالْبَحْرِ الزَّاخِرِ، مَعَ السِّيرَةِ الْجَمِيلَةِ، وَالطَّرِيقَةِ الْمَرْضِيَّةِ، جَاءَتْهُ الدُّنْيَا صَاغِرَةً فَأَبَاهَا، وَاطَّرَحَهَا، وَقَلَاهَا. قَالَ: وَكَانَ عَامَّةُ الْمُدَرِّسِينَ بِالْعِرَاقِ. وَالْجِبَالِ تَلَامِيذَهُ، وَأَصْحَابَهُ، صَنَّفَ فِي"الْأُصُولِ، وَالْفُرُوعِ"وَالْخِلَافِ، وَالْجَدَلِ، وَالْمَذْهَبِ كُتُبًا، أَضْحَتْ لِلدِّينِ أَنْجُمًا، وَشُهُبًا، وَكَانَ يُكْثِرُ مُبَاسَطَةَ أَصْحَابِهِ بِمَا سَنَحَ لَهُ مِنْ الرَّجَزِ، وَكَانَ يُكْرِمُهُمْ، وَيُطْعِمُهُمْ.
حَكَى السَّمْعَانِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي طَعَامًا كَثِيرًا، وَيَدْخُلُ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ، وَيَأْكُلُ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَمَا فَضَلَ قَالَ لَهُمْ: اُتْرُكُوهُ لِمَنْ يَرْغَبُ فِيهِ. وَكَانَ رحمه الله طَارِحًا لِلتَّكَلُّفِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ: حَمَلْتُ فَتْوَى إلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فَرَأَيْتُهُ فِي الطَّرِيقِ، فَمَضَى إلَى دُكَّانِ خَبَّازٍ أَوْ بَقَّالٍ، وَأَخَذَ قَلَمَهُ، وَدَوَاتَهُ، وَكَتَبَ جَوَابَهُ، وَمَسَحَ الْقَلَمَ فِي ثَوْبِهِ،
وَكَانَ رحمه الله ذَا نَصِيبٍ وَافِرٍ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَإِرَادَةِ إظْهَارِ الْحَقِّ، وَنُصْحِ الْخَلْقِ، قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عُقَيْلٍ: شَاهَدْتُ شَيْخَنَا أَبَا إِسْحَاقَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا إلَى فَقِيرٍ إلَّا أَحْضَرَ النِّيَّةَ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي مسألة:إلَّا قَدَّمَ