فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 4102

ج / 1 ص -125- فرع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نَجِسًا مِنْهُ كَالدَّمِ"قَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ صَاحِبُ الشَّامِلِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ، بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: إنَّ أَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ الْقَائِلَ بِطَهَارَةِ شَعْرِهِ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: قَدْ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَشَرِبَ دَمَهُ، أَفَتَقُولُ بِطَهَارَةِ دَمِهِ ؟ فَرَكِبَ الْبَابَ وَقَالَ: أَقُولُ بِهِ، قِيلَ لَهُ: قَدْ شَرِبَتْ امْرَأَةٌ بَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم أَفَتَقُولُ بِطَهَارَتِهِ ؟ فَقَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ اسْتَحَالَ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الدَّمُ وَالشَّعْرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالدَّمِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَحِينَئِذٍ يُنْكِرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ هَذَا الْقِيَاسَ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ جَائِزٌ، فَإِنْ مَنَعَ الْخَصْمُ الْأَصْلَ أَثْبَتَهُ الْقَايِسُ بِدَلِيلِهِ الْخَاصِّ، ثُمَّ أَلْحَق بِهِ الْفَرْعَ، وَقَدْ أَكْثَر الْمُصَنِّفُ فِي"المهذب"مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَكُلُّهُ خَارِجٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفصل: أَبَا طَلْحَةَ الصَّحَابِيَّ وَأَبَا جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيَّ، أَمَّا أَبُو طَلْحَةَ فَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ بْنُ الْأَسْوَدِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمُشَاهَدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ رضي الله عنهم، وَكَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَرَدُوا الصَّوْمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَسَنَذْكُرُهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى: فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ الْحَافِظُ: عَاشَ أَبُو طَلْحَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ سَنَةً يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ رضي الله عنه.

وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ نَصْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَنْشَرِحُ بِذِكْرِهِمْ الصُّدُورُ، وَتَرْتَاحُ لِذِكْرِ مَآثِرِهِمْ الْقُلُوبُ، كَانَ رضي الله عنه حَنَفِيًّا ثُمَّ صَارَ شَافِعِيًّا لِرُؤْيَا رَآهَا مَشْهُورَةٍ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَامِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ آخُذُ بِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ ؟ فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْت: بِرَأْيِ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ: خُذْ مَا وَافَقَ سُنَّتِي، فَقُلْت: بِرَأْيِ الشَّافِعِيِّ ؟ فَقَالَ أَوَ ذَاكَ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ، ذَلِكَ رَدَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّتِي. حَكَى هَذِهِ الرُّؤْيَا الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ وَآخَرُونَ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى تِرْمِذَ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي نُسِبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، وَفِي ضَبْطِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَنْسَابُ، أَحَدُهَا تِرْمِذُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَالْمِيمِ. وَالثَّانِي: بِضَمِّهِمَا، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. وَالثَّالِثُ: بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ الْمُتَدَاوَلُ بَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ عَلَى طَرَفِ نَهْرِ بَلْخِي الَّذِي يُقَال لَهُ: جَيْحُونَ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ تُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ يُقَالُ لَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ: سَكَنَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ بَغْدَادَ وَلَمْ يَكُنْ لِلشَّافِعِيِّينَ فِي وَقْتِهِ بِالْعِرَاقِ أَرْأَسُ وَلَا أَوْرَعُ وَلَا أَكْثَرُ نَقْلًا مِنْهُ. وَكَانَ قُوتُهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. وُلِدَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ - رحمه الله -، وَمَوْضِعُ بَسْطِ أَحْوَالِهِ الطَّبَقَاتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا وَعَصَبِهَا.

فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالرِّيشَ وَالْعَصَبَ وَالْعَظْمَ وَالْقَرْنَ وَالسِّنَّ وَالظِّلْفَ نَجِسَةٌ، وَفِي الشَّعْرِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ، وَفِي الْعَظْمِ خِلَافٌ أَضْعَفُ مِنْهُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا، وَأَمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت