ج / 1 ص -124- وَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَحَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ.
وَأَمَّا بَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم وَدَمُهُ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَلِيلٌ مِنْهُمْ فِي الْعَذِرَةِ وَجْهَيْنِ وَنَقَلَهُمَا فِي الْعَذِرَةِ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْغَزَالِيِّ طَرْدَهُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَذِرَةِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَذِرَةَ نَجِسَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْبَوْلِ وَالدَّمِ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ غَلَطٌ، بَلْ الْخِلَافُ فِي الْعَذِرَةِ مَشْهُورٌ، نَقَلَهُ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ فَقَالُوا: فِي فَضَلَاتِ بَدَنِهِ صلى الله عليه وسلم كَبَوْلِهِ وَدَمِهِ وَغَيْرِهِمَا وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ فِي الْخَصَائِصِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: جَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم طَاهِرٌ، قَالَ: وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَهَذَا نَقْلُ الْقَفَّالِ وَهُوَ شَيْخُ طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَعَلَيْهِ مَدَارُهَا، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْفَضَلَاتِ بِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَنَزَّهُ مِنْهَا، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهَا بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ:"أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ الْحَاجِمَ حَجَمَهُ صلى الله عليه وسلم وَشَرِبَ دَمَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ"،"وَأَنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ بَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا"وَحَدِيثُ أَبِي طَيْبَةَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ شُرْبِ الْمَرْأَةِ الْبَوْلَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ لِكُلِّ الْفَضَلَاتِ قِيَاسًا. وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِغُسْلِ فَمِهَا، وَلَا نَهَاهَا عَنْ الْعَوْدِ إلَى مِثْلِهِ، وَأَجَابَ الْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ عَنْ تَنَزُّهِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالنَّظَافَةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَجَاسَةُ الدَّمِ وَالْفَضَلَاتِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَخَالَفَهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَقَالَ: الْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: قَدَّمْنَا فِي شَعْرِ مَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ خِلَافًا، الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلَّدِ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَمَّا شُعُورُ هَذِهِ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِنَجَاسَتِهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا الْخِلَافَ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ غَيْرِهَا فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الطَّهَارَةُ. وَأَصَحُّهُمَا النَّجَاسَةُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ: هِيَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ طَاهِرَةٌ، قَالَ الْإِمَامُ: وَاخْتَارَهُ شَيْخِي يَعْنِي وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي حَالَتَيْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ.
فرع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجِسَ بِالْمَوْتِ كَالْأَعْضَاءِ"احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ:"مُتَّصِلٌ"عَنْ الْحَمْلِ وَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ فِي جَوْفِ مَيْتَتِهِ، وَبِقَوْلِهِ:"بِالْحَيَوَانِ"عَنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَبِقَوْلِهِ:"اتِّصَالَ خِلْقَةٍ"عَنْ الْأُذُنِ الْمُلْصَقَةِ. وَقَوْلُهُ:"فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ: يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا"لَيْسَ مَعْنَاهُ الْقَدْحَ فِي النَّاقِلِ بِتَكْذِيبٍ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ تَأْوِيلُ الرِّوَايَةِ عَلَى حِكَايَةِ مَذْهَبِ الْغَيْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ صَاحِبِ الْحَاوِي. وَقَوْلُهُ: يَنْجُسُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا، وَقَوْلُهُ:"لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ"يُحِسُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، هَذِهِ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ - تعالى: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ} [مريم: 98] وَفِيهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ يَحُسُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ. وَقَوْلُهُ: يَأْلَمُ بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ.