فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 4102

ج / 1 ص -119- الْوَجْهَيْنِ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الدِّبَاغِ الْإِزَالَةُ أَمْ الْإِحَالَةُ وَفِيهِ وَجْهَانِ. فَإِنْ غَلَّبْنَا الْإِزَالَةَ افْتَقَرَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا. وَيُسْتَدَلُّ لِلْأَصَحِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ إذَا اسْتَحَالَتْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحَالَةِ، وَلِلْوَجْهِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ"وَلِأَنَّهُ يُلَيِّنُ الْجِلْدَ وَيَصِلُ بِهِ الشَّثُّ وَالْقَرَظُ وَنَحْوُهُمَا إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا غَسْلَهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ فَهُوَ طَاهِرُ الْعَيْنِ بِلَا خِلَافٍ وَالدِّبَاغُ حَاصِلٌ قَطْعًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَهُوَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ، صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا إذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فَالْجِلْدُ نَجِسُ الْعَيْنِ بِلَا خِلَافٍ. صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ. وَهَلْ يَطْهُرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَقْعِهِ فِي مَاءٍ كَثِير أَمْ يُشْتَرَطُ رَدُّهُ إلَى الْمَدْبَغَةِ وَاسْتِعْمَالُ الشَّثِّ ؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ وَالِدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ابْتِدَاءِ دَبْغِهِ ثَانِيًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنَّهُ يُكْتَفَى بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ، وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ أَحْسَنَ تَوَجُّهٍ، وَأَنَا أَظُنُّ الرَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلَ الْإِمَامِ وَوَالِدِهِ ثُمَّ إذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بَعْدَ الدِّبَاغِ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ طَهُورًا نَقِيًّا مِنْ أَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَطْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِأَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: الْأَجْزَاءُ الَّتِي يَتَشَرَّبُهَا الْجِلْدُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمَدْبُوغِ بِهَا طَاهِرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ الْمُتَنَاثِرَةُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ فَإِنْ تَنَاثَرَتْ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَهِيَ نَجِسَةٌ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ، وَإِنْ تَنَاثَرَتْ بَعْدَهُ فَهَلْ نَحْكُمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ أَمْ بِنَجَاسَتِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ قَالُوا: وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي افْتِقَارِ الْجِلْدِ إلَى غَسْلِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ إنْ قُلْنَا يَفْتَقِرُ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ طَاهِرَةٌ تَبَعًا لَهُ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِذَا طَهُرَ الْجِلْدُ بِالدِّبَاغِ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ"."

الشرح:هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَوْلُهُ:"جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ"يَعْنِي فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَائِعَاتِ، وَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَفِيهِ، وَطَهُرَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ تَصْرِيحًا وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ فِي تَعْلِيقِهِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ طَاهِرٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ جَائِزٌ فِي الْمَائِعَاتِ، وَحَكَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي طَهَارَتِهِ قَوْلَيْنِ، وَحَكَاهُمَا جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: يَطْهُرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا ذَكَرْنَا.

والثاني: وَهُوَ الْقَدِيمُ: لَا يَطْهُرُ بَاطِنًا فَيُسْتَعْمَلُ فِي يَابِسٍ لَا رَطْبٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ الْقَدِيمِ غَرِيبٌ وَالْمُحَقِّقُونَ يُنْكِرُونَهُ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِعَدَمِ طَهَارَةِ بَاطِنِهِ لَا قَدِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَإِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ. قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ فِي هَذِهِ الْمسألة:كَمَذْهَبِ مَالِكٍ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَمْ يُرَ هَذَا فِي الْقَدِيمِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ: كَانَ شَيْخِي يَحْكِي عَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت