فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 4102

ج / 1 ص -120- الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَوَجَّهُ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْمَدْبُوغِ إلَّا بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ لَا بَاطِنُهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ بَلْ اسْتَنْبَطُوهُ مِنْ مَنْعِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ بَلْ لِمَنْعِ الْبَيْعِ دَلِيلٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: اعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الْقَدِيمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ بَلْ هُوَ قَوْلُ مُجْتَهِدٍ قَدْ يُوَافِقُ مَالِكًا وَقَدْ يُخَالِفُهُ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّخْلِيصِ: أَكْثَرُ الْقَدِيمِ قَدْ يُوَافِقُ مَالِكًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْفَرْعَ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ يَغْلَطُ فِي هَذَا بِمَا لَا أُوثِرُ نَشْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فرع: اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ جَائِزٌ فِي الْيَابِسِ دُونَ الرَّطْبِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالشَّيْخِ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ وَصَاحِبِ الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَمُرَادُهُمْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّطَبَاتِ أَوْ فِي اللَّيِّنِ لَا فِي الْيَابِسِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ الْأَصْحَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَظْمِ الْفِيلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسِ وَلَا يَحْرُمُ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ فِي عَظْمِ الْفِيلِ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسِ وَتَحْرِيمِهِ فِي الرَّطْبِ الشَّيْخُ نَصْرٌ فَدَلَّ أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّطْبِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْعَبْدَرِيِّ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَغَلَطٌ مِنْهُ، وَصَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: فِي الرَّطَبَاتِ.

فرع: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجُوزُ هِبَتُهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ، دَلِيلُنَا أَنَّهُ عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَرَهْنُهُ كَالْعَذِرَةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ النَّجِسِ فَإِنَّ عَيْنَهُ طَاهِرٌ، وَكَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: يَجُوزُ هِبَتُهُ عَلَى سَبِيلِ نَقْلِ الْيَدِ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِهِ لَا التَّمْلِيكُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ حُرِّمَ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْمَوْتِ ثُمَّ رُخِّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ فَبَقِيَ مَا سِوَى الِانْتِفَاعِ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَجُوزُ لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ لِنَجَاسَتِهِ، وَقَدْ زَالَتْ النَّجَاسَةُ فَوَجَبَ أَنْ يُجَوِّزَ الْبَيْعَ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ".

الشرح:هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي صِحَّةِ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ مَشْهُورَانِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْجَدِيدُ وَهُوَ صِحَّتُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وقول المصنف: لِأَنَّهُ حُرِّمَ التَّصَرُّفُ فِيهِ ثُمَّ رُخِّصَ فِي الِانْتِفَاعِ"يَعْنِي الِانْتِفَاعَ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الِانْتِفَاعِ، وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ فَلَيْسَ انْتِفَاعًا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ، فَإِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفَ وَالطَّعَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَوْجِيهِ الْقَدِيمِ. وَأَمَّا مَا يُوَجِّهُهُ بِهِ كَثِيرٌ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْعَ بَيْعِهِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ لَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ فَضَعِيفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَمَّا اُحْتُجَّ بِهِ لِلْقَدِيمِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ وَطَعَامِ دَارِ الْحَرْبِ بِأَنَّ مَنْعَ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ لِاسْتِحْقَاقِهَا الْحُرِّيَّةَ، وَالْوَقْفُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ مَلَكَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي، وَطَعَامُ دَارِ الْحَرْبِ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالْمَنْعُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلنَّجَاسَةِ وَقَدْ زَالَتْ فَجَازَ الْبَيْعُ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت