ج / 6 ص -365- فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْقَصَصِ مَحْمُولٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَالْمَغَازِي وَالرَّقَائِقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مَوْضُوعٌ وَلَا1 مَا لَا تَحْتَمِلُهُ عُقُولُ الْعَوَامّ، وَلَا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّوَارِيخِ وَالْقَصَصِ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَتِهِمْ فِيهَا أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ جَرَى لَهُ كَذَا مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ.
فرع: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ سِبَابٌ وَلَا جِدَالٌ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا. قَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ إذَا سَبَّهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يُجِيبَهُ، كَمَا لَا يُجِيبُهُ الصَّائِمُ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَسَبَّ غَيْرَهُ أَوْ جَادَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ كُرِهَ وَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَبْطُلُ ثَوَابُهُ أَوْ يَنْقُصُ، هَذَا لَفْظُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَشْرَبَ وَيَضَعَ الْمَائِدَةَ وَيَغْسِلَ يَدَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِغُسَالَتِهِ أَحَدٌ، وَإِنْ غَسَلَهَا فِي الطَّسْتِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ لِلْآكِلِ أَنْ يَضَعَ سُفْرَةً وَنَحْوَهَا لِيَكُونَ أَنْظَفَ لِلْمَسْجِدِ وَأَصْوَنَ، قَالَ الْبَغَوِيّ: يَجُوزُ نَضْحُ الْمَسْجِدِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْمُسْتَعْمَلِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَعَافُهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمُطْلَقِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إنَّمَا تَعَافُ شُرْبَهُ وَنَحْوَهُ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِسْقَاطِ مَائِهِ فِي أَرْضِهِ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ، وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي آخِرِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَنَقَلْنَا هُنَاكَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ نَقَلَ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ غَسْلُ الْيَدِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ طَسْتٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ فَرَشُّهُ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْظَفُ مِنْ غُسَالَةِ الْيَدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْسِلَ الْيَدَ حَيْثُ يَبْعُدُ عَنْ نَظَرِ النَّاسِ وَعَنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: وَكَيْفَمَا فَعَلَ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِلْمُعْتَكِفِ النَّوْمُ وَالِاضْطِجَاعُ وَالِاسْتِلْقَاءُ وَمَدُّ رِجْلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَلَهُ أَوْلَى، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعله: وما لا تحتمله فليحرر (ط) .
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الْمُعْتَكِفِ وَشِرَائِهِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ مَذْهَبِنَا كَرَاهَتُهُ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ كَرِهَهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ: يَشْتَرِي الْخُبْزَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَشْتَرِي، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ كَالثَّوْرِيِّ، وَرِوَايَةٌ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ الْيَسِيرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَعِنْدِي لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَمَّا سَائِرُ التِّجَارَاتِ فَإِنْ فَعَلَهَا فِي