ج / 6 ص -364- ثَوْبَهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى لُبْسِهِ جَازَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَتَرْكُهُ أَوْلَى، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الشَّامِلِ وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِكَرَاهَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَأَكْرَهُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ بَاعَ مُعْتَكِفٌ أَوْ غَيْرُهُ كَرِهْتُهُ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ، قَالَ الْقَاضِي: بِسَبَبِ الْمَسْجِدِ لَا بِسَبَبِ الِاعْتِكَافِ. قَالَ: وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي، وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ وَالْقَدِيمِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْمُعْتَكِفُ وَيَشْتَرِيَ وَيَخِيطَ، وَفِي كَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ أَرْجَحُهُمَا: الْكَرَاهَةُ، قَالَ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ، أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاعْتِكَافِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لِأَجْلِهِ فَأَمَّا الْمَسْجِدُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا اشْتَغَلَ الْمُعْتَكِفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ - فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِتَحْصِيلِ قُوتِهِ - لَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ قَصْدَ بِهِ التِّجَارَةَ وَطَلَبَ الزِّيَادَةِ فَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ:كَرَاهَتُهُ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلْمُعْتَكِفِ نَصَّانِ مُخْتَلِفَانِ وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا طَرِيقَانِ أحدهما: فِي كَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ والثاني: أَنَّهُمَا عَلَى حَالَيْنِ فَإِنْ اتَّفَقَ الْبَيْعُ نَادِرًا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ عَادَةً مُنِعَ مِنْهُ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ الْخُبْزَ خَرَجَ لَهُ، وَهَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصَّحِيحَ كَرَاهَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِضَرُورَةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا بِأَدِلَّتِهِ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا قَرِيبًا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخِيطَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَنَا فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ إذَا خَاطَ مَا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ وَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعْتَكِفِ وَالْمُعْتَكِفُ إذَا اتَّخَذَ مَسْجِدًا مَحَلًّا لِذَلِكَ وَأَكْثَرَ فِيهِ مِنْ الْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَفِيهِ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ، وَهَذَا غَلَطٌ كَمَا سَبَقَ. هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: تُكْرَهُ الْخِيَاطَةُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْبَيْعِ، وَقَلِيلُهَا لِحَاجَةٍ جَائِزٌ كَالْبَيْعِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَعَمَلُ الصَّنَائِعِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ. وَقَلِيلُ ذَلِكَ أَخَفُّ مِنْ كَثِيرِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: إنْ خَاطَ ثَوْبَهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى لُبْسِهِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَتَرْكُهُ أَوْلَى، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: إنْ عَمِلَ عَمَلًا مُبَاحًا يَسِيرًا أَوْ خَاطَ شَيْئًا مِنْ ثَوْبِهِ لَمْ يُكْرَهْ، فَإِنْ قَعَدَ يَحْتَرِفُ بِالْخَيَّاطَةِ أَوْ بِحِرْفَةٍ أُخْرَى كُرِهَ، وَعِبَارَاتُ بَاقِي الْأَصْحَابِ نَحْوُ هَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا يُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُبَاحُ أَوْ يُنْدَبُ، وَأَنَّ رَفْعَ الْأَصْوَاتِ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَالْبَوْلُ حَرَامٌ فِي غَيْرِ إنَاءٍ، وَفِي إنَاءٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ وَنَحْوُهُمَا فِيهِ حَرَامٌ فِي غَيْرِ إنَاءٍ وَمَكْرُوهٌ فِي الْإِنَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُصَّ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْقَصَصَ وَعْظٌ وَتَذْكِيرٌ. قَالَ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُبَاحُ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، فَإِنْ فَعَلَ