فهرس الكتاب

الصفحة 2383 من 4102

ج / 6 ص -362- قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَلْبَسَ مَا يَلْبَسُهُ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ"لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَيَّرَ شَيْئًا مِنْ مَلَابِسِهِ"وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَنُقِلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَطَيَّبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ عَلَيْهِ الطِّيبُ لَحَرُمَ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ كَالْإِحْرَامِ وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ"أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الِاعْتِكَافِ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّطَيُّبُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيُزَوِّجَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تُحَرِّمُ التَّطَيُّبَ فَلَا تُحَرِّمُ النِّكَاحَ كَالصَّوْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُقْرِئَ غَيْرَهُ وَيَدْرِسَ الْعِلْمَ وَيُدَرِّسَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ لَا يُتْرَكُ بِهِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْأَمْرِ الْخَفِيفِ فِي مَالِهِ وَصَنْعَتِهِ وَيَبِيعَ [وَيَبْتَاعَ] وَلَكِنَّهُ لَا يُكْثِرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُنَزَّهُ عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كُرِهَ لِأَجْلِ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ الِاعْتِكَافُ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي اعْتِكَافٍ مَنْذُورٍ رَأَيْتُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا أَكْثَرَ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ صَارَ قُعُودُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا لِلِاعْتِكَافِ - وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ - وَالْأَوَّلُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ لِأَنَّ مَا لَا يُبْطِلُ قَلِيلُهُ الِاعْتِكَافَ لَمْ يُبْطِلْ كَثِيرُهُ كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَضَعَ فِيهِ الْمَائِدَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْظَفُ لِلْمَسْجِدِ وَيَغْسِلُ فِيهِ الْيَدَ وَإِنْ غَسَلَ فِي الطَّسْتِ فَهُوَ أَحْسَنُ".

الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ:

إحداها: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ الْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ وَيَأْكُلَا وَيَتَطَيَّبَا بِمَا شَاءَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ لَهُمَا مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْمَأْكُولِ مَا كَانَ جَائِزًا قَبْلَ الِاعْتِكَافِ، وَسَوَاءٌ رَفِيعُ الثِّيَابِ وَغَيْرُهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، هَذَا مَذْهَبُنَا. قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَلْبَسَ رَفِيعَ الثِّيَابِ وَلَا يَتَطَيَّبَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الطِّيبِ كَالْحَجِّ دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيُخَالِفُ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِيهِ كَشْفُ الرَّأْسِ وَاجْتِنَابُ الْمَخِيطِ وَتَحْرِيمُ النِّكَاحِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي الِاعْتِكَافِ.

الثانية: يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَأَنْ يُزَوِّجَ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

الثالثة: يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُقْرِئَهُ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمَهُ غَيْرَهُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ، وَلِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ إلَى النَّاسِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ بِتَفْضِيلِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَالْأَوْلَى لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَتَسْبِيحٍ وَذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا وَمُطَالَعَةً وَكِتَابَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت