ج / 6 ص -330- فَلَمْ يُشْتَرَطْ جَمْعُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ، فَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّلَاةِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ لَوْ أَفْرَدَ الصَّلَاةَ بِالنَّذْرِ، وَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَرَكْعَةٌ فِي الْآخَرِ.
وَإِنْ أَوْجَبْنَا الْجَمْعَ لَزِمَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي يَوْمِ اعْتِكَافِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِيعَابُ الْيَوْمِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُصَلِّيًا، لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى الْأَصَحِّ أَوْ رَكْعَةٌ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، فَإِنْ تَرَكْنَا الظَّاهِرَ فَلِمَاذَا يُعْتَبَرُ تَكْرِيرُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَهَلَّا اكْتَفَى بِهِ وَاحِدَةٍ عَنْ جَمِيعِ الْأَيَّامِ؟ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُصَلِّيًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي قِيَاسِهِ، وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَوْ نَذَرَ الْقِرَانَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَهُ تَفْرِيقُهُمَا وَهُوَ أَفْضَلُ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا فِي قِيَاسِهِ إلَى وُجُوبِ جَمْعِهِمَا فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَوْجِيهِ أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ صَائِمًا: إنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ مَرْدُودٌ بَلْ غَلَطٌ لَا يُعَدُّ خِلَافًا وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ، وَسَنَزِيدُهَا إيضَاحًا فِي كِتَابِ النَّذْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَقْرَأُ فِيهَا سُورَةً مُعَيَّنَةً لَزِمَهُ الصَّلَاةُ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَفِي لُزُومِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجَوَازِ التَّفْرِيقِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ، فِيمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ صَائِمًا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَتَابَعَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فرع: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ آخَرَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا، مِنْهُمْ الصَّيْدَلَانِيُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْصُلُ الصَّوْمُ لَوْ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ اتِّفَاقًا.
فرع فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَعُرْوَةُ وَالزُّبَيْرُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا: لَا يَصِحُّ إلَّا بِصَوْمٍ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ"بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رضي الله عنهم صِيَامًا فِي رَمَضَانَ"وَبِحَدِيثِ سُوَيْد بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ سُوَيْدٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ قلت: بُكَيْرًا بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ"أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ اعْتِكَافٍ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَصُومَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ بُدَيْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ،